الخميس، مارس 15، 2012

هل تلجأ الكويت الى تخفيض قيمة الدينار؟ 3


خفض قيمة العملة
يفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة المحلية رفع درجة تنافسية الدولة، ومن ثم زيادة صادراتها نتيجة انخفاض أسعار هذه الصادرات بالنسبة للأجانب، كما يترتب على تخفيض قيمة العملة ارتفاع أسعار الواردات بالنسبة للمقيمين في الدولة، وهو ما يؤدي إلى تحويل الطلب على السلع المنتجة محليا بدلا من تلك المستوردة، أو يشجع الصناعات البديلة للواردات، وهو ما يساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري أو تحقيق فائض فيه، والعكس في حالة رفع قيمة العملة المحلية.
من الواضح أن خفض قيمة العملة أو ارتفاعها يؤدي إلى التأثير على حجم المعاملات التجارية للدولة، نتيجة لتأثيرات تغير معدل صرف العملة على ما يسمى بالأسعار النسبية الدولية، أو شروط التبادل التجاري للدولة Terms of trade (أسعار صادرات الدولة بالنسبة لأسعار وارداتها). فرفع قيمة العملة يجعل صادرات الدولة أكثر تكلفة بالنسبة للأجانب، بينما يجعل الواردات من الخارج ارخص بالنسبة للمقيمين فيها (تحسن شروط التبادل التجاري لصالح هذه الدولة)، بينا يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جعل الواردات من الخارج أكثر تكلفة بالنسبة للمقيمين فيها، في الوقت الذي تصبح فيه صادراتها إلى الخارج ارخص نسبيا بالنسبة للمقيمين في الخارج (تراجع شروط التبادل التجاري في غير صالح هذه الدولة).
غير انه ليس شرطا أن يترتب على تخفيض قيمة عملة الدولة حدوث تحسن في ميزانها التجاري، حيث يؤثر تخفيض قيمة العملة إيجابا على الميزان التجاري فقط في ظل توافر شروط أهمها ارتفاع مرونات الطلب السعرية للصادرات (درجة استجابة الطلب على الصادرات في الخارج نتيجة تغير أسعارها) والمرونة السعرية للواردات (درجة استجابة الطلب على الواردات في الداخل نتيجة لتغير أسعارها)، وهناك ما يعرف في الاقتصاد الدولي بشروط مارشال/ليرنر، والتي تمدنا بقاعدة سهلة لتقييم أثر التغير في معدل الصرف على الميزان التجاري للدولة، حيث تنص على أنه إذا ما كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات اكبر من الواحد الصحيح، فإن تخفيض قيمة العملة في هذه الحالة سوف يؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري، ومعالجة العجز فيه. إذ يترتب على خفض قيمة العملة زيادة الإيرادات من الصادرات، بينما ينخفض الإنفاق على الواردات، مما يساعد في تحسين وضع الميزان. أما اذا كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات اقل من الواحد الصحيح فإن خفض قيمة العملة لن يساعد في تحسين وضع الميزان التجاري للدولة، وقد يؤدي إلى تدهوره.
على الرغم من أن شروط مارشال/ليرنر تعد ضرورية لتحسن وضع الميزان التجاري للدولة مع تخفيض قيمة عملتها، إلا أنها ليست كافية لتحسن وضع الميزان التجاري عند تخفيض قيمة العملة. إذ لابد وان يصاحب ذلك توافر شروط محددة حول قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة. على سبيل المثال لا بد عند تخفيض قيمة العملة من التأكد من توافر طاقة إنتاجية فائضة تمكن الدولة من زيادة الإنتاج لمواجهة النمو في الطلب على الصادرات من السلع المحلية إلى الخارج، وكذلك لمواجهة النمو في الطلب على السلع التي تنتج محليا والذي سيصاحب ارتفاع أسعار الواردات من الخارج وتحول المقيمين نحو استهلاك السلع المحلية بدلا من المستوردة. معنى ذلك أنه إذا ما تمت عملية تخفيض قيمة العملة دون التأكد من قدرة جهاز العرض المحلي من السلع والخدمات على مواجهة الزيادة في الطلب عليه، فإن تخفيض قيمة العملة لن يؤدي إلى الآثار المتوقعة له على الميزان التجاري، ويطلق على السياسة الرامية لتحويل إنفاق المستهلكين من الإنفاق على الواردات إلى الإنفاق على السلع المحلية البديلة لها سياسات تحويل الإنفاق.
ربما تتضح أهمية هذه النقطة بصورة أكبر في حالة الدول النامية حيث تنخفض مرونة العرض السعرية (درجة استجابة الكميات المعروضة من السلع لتغيرات الأسعار)، إذ تنخفض هذه المرونة بشكل واضح نظرا لاعتماد هذه الدول بشكل عام على إنتاج السلع الأولية، سواء في أنشطة الزراعة أو الصيد أو التعدين، حيث تنخفض استجابة العرض من هذه السلع مع تغيرات أسعارها على المستوى الدولي، وذلك مقارنة بأنشطة الإنتاج الأخرى التي تقوم أساسا على الصناعة أو تقديم الخدمات، والتي يكون عرضها أكثر مرونة بالنسبة للتغيرات في الأسعار.
من ناحية أخرى فإن الدراسات تشير إلى أنه حتى لو توافرت شروط مارشال/ليرنر وكان هناك طاقة إنتاجية فائضة لدى الدولة تمكنها من مواجهة الزيادة في الطلب على صادراتها، فإنه من الممكن إلا يترتب على تخفيض قيمة العملة تحسن آني في ميزانها التجاري، بسبب أن المرونات بشكل عام في الأجل القصير تكون منخفضة، وهو ما يتسبب في حدوث ما يسمى بمنحنى J، والذي ينشأ نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات بصورة أكبر من زياد الإيرادات من الصادرات وضعف استجابة الكميات المستوردة والمصدرة للتغيرات التي تحدث في الأسعار النسبية الناجمة عن التخفيض.
ويعني منحنى J، حدوث زيادة في عجز الميزان التجاري بصورة مباشرة في أعقاب تخفيض قيمة العملة (الجزء النازل من حرف J)، وذلك بسبب أن تأثير التغير في أسعار الصادرات والواردات الناتج عن تخفيض قيمة العملة اكبر من استجابة الكميات المطلوبة منهما، وهو ما يعني أنه مع تراجع أسعار الصادرات نتيجة تخفيض قيمة العملة لا تتزايد الكميات المطلوبة من الصادرات، أو تتزايد على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى تراجع إيرادات الصادرات، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الواردات نتيجة تخفيض قيمة العملة، بينما لا تتراجع الكميات المستوردة من الخارج، أو تتراجع على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى زيادة المدفوعات على الواردات، وهو ما يعني زيادة العجز في الميزان التجاري في البداية، غير أن كميات الصادرات والواردات تأخذ بعد ذلك في الاستجابة للتغيرات في الأسعار، فيتزايد الطلب على الصادرات ومن ثم الإيرادات منها، بينما تتراجع الكميات من السلع المستوردة من الخارج، ومن ثم يقل الإنفاق عليها، وبالتالي يتحسن وضع الميزان التجاري فيما بعد (الجزء الصاعد إلى أعلى من حرف J).
غير أن الدراسات التي تمت على الدول النامية، بصفة خاصة على الدول الناشئة في آسيا أثبتت أن استجابة ميزان المدفوعات قد لا تأخذ شكل حرف J، وإنما تأخذ شكل حرف S، حيث وجد أن الارتباط المشترك بين شروط التبادل التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول لم يكن على شكل حرف J، وإنما كان على شكل حرف S. فقد وجد أن الميزان التجاري يتأثر بصورة سلبية بالتحركات الحالية والمستقبلية في شروط التبادل التجاري، بينما يتأثر بصورة إيجابيه بالتحركات السابقة فيها. وبمعنى آخر فإن التحسن في الميزان التجاري الناتج عن تخفيض قيمة العملة في البداية يؤدي إلى زيادة مستوى الناتج والتوظف وهو ما يرفع من مستويات المعيشة في الدولة ومن ثم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهنا تتحسن شروط التجارة بالنسبة للدولة، الأمر الذي يؤثر سلبا مرة أخرى على الميزان التجاري.
ولا يقتصر تأثير تغير معدل الصرف على الصادرات والواردات من السلع والخدمات، وإنما يمتد أيضا إلى الطلب على الأصول المالية والحقيقية بين دول العالم، أو الاستثمارات ما بين دول العالم. فعندما تنخفض قيمة العملة فإن قيمة الأصول الخارجية التي يملكها المقيمين في هذه الدولة ترتفع (مثل أسهم الشركات الأجنبية، أو المودعات في البنوك الأجنبية نتيجة ارتفاع قيمة العملة التي تقيم بها هذه الأصول بالنسبة للعملة الوطنية)، فيزيد إقبال المقيمين عل الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، أي يتزايد خروج رؤوس الأموال إلى الخارج، بينما يجد الأجانب أن قيمة الأصول المحلية التي يملكونها في الدولة تتراجع نظرا لتراجع قيمة العملة المحلية فيقل الإقبال من قبل الأجانب عليها، وبالتالي يقل تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل.
غير أنه عندما تكون الدولة مدينة إلى الخارج بدين كبير (أي مقوم بالعملة الأجنبية) فإن تخفيض قيمة عملة هذه الدولة سوف يضر بها. على سبيل المثال إذا كانت الشركات في هذه الدولة أصولها مقومة بالعملة المحلية، بينما التزاماتها مقومة بالعملة الأجنبية، فإن تخفيض قيمة العملة يؤدي إلى تراجع قيمة أصولها بالنسبة لالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إفلاس تلك الشركات أو عدد كبير منها، خصوصا تلك العاملة في القطاع المالي، مثلما حدث في الأزمة الآسيوية، ويطلق على هذا الأثر في علم الاقتصاد اثر الميزانية Balance sheet effect، وقد يكون هذا الأثر جوهريا بحيث يترتب على تخفيض قيمة العملة آثارا سلبية تفوق الآثار الإيجابية التي يمكن تحقيقها من خلال التحسن في التجارة الخارجية للدولة ومن ثم ميزان مدفوعات الدولة، وقد تستجيب الحكومات لمثل هذه التطورات من خلال رفع معدل الفائدة بهدف جذب رؤوس الأموال إلى الداخل والحد من اتجاهها نحو الخارج، الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلبا على مستويات الاستثمار والتشغيل، ومن ثم مستويات الرفاه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق