الجمعة، مارس ٠٩، ٢٠١٢

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: الضغوط التضخمية (2)


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 9/3/2012

تناولنا في الحلقة السابقة من هذا المقال مفهوم التضخم والعوامل المسئولة عن ارتفاع معدل التضخم من الناحية النظرية. اليوم نتناول تحليل معدل التضخم في المملكة والمسببات المختلفة التي يمكن أن تقف وراء هذا التزايد المستمر في الأسعار. تشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات بأن التضخم في المملكة هو بشكل عام من النوع المنخفض، فعلى مدى الفترة من 1980 حتى عام 2007 لم يتجاوز معدل التضخم 6%، بل إنه وعلى مدى هذه الفترة شهدت المملكة تراجعا في المستوى العام لعدة مرات، غير أنه بدءا من عام 2008 شهد التضخم في المملكة تطورا مخالفا للاتجاه العام خلال الفترة السابقة، فقد أخذت معدلات التضخم في الارتفاع على نحو مثير للقلق، حيث بلغ معدل التضخم حوالي 12% في عام 2008، وعلى الرغم من ميل معدل التضخم نحو التراجع في السنوات التالية، إلا أنه ظل مرتفعا بشكل عام.

وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك شكوى عامة من ارتفاع معدل التضخم في المملكة، وعندما ندقق في مكونات الرقم القياسي العام للأسعار والذي يتكون من 8 مجموعات سلعية هي الأطعمة والمشروبات، والأقمشة والملابس والأحذية، والترميم والإيجارات والوقود والمياه، والتأثيث المنزلي، والرعاية الطبية، والنقل والاتصالات، والتعليم والترويح، والسلع والخدمات الأخرى، يلاحظ أن أهم المجموعات السلعية التي ارتفعت أسعارها في السنوات الأخيرة هي مجموعة الترميم والإيجارات والوقود والمياه، والأطعمة والمشروبات والسلع والخدمات الأخرى، ولعل ذلك يوضح سبب تزايد إحساس المواطن بعبء التضخم في السنوات الأخيرة، نظرا لأن الجانب الأكبر من السلع التي ارتفعت أسعارها تعد من السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية مثل الغذاء وخدمات السكن والمياه والكهرباء والسلع والخدمات الأخرى، وبالنسبة للفئات منخفضة الدخل فإن عبء التضخم في هذه الحالة يصبح واضحا جدا.

تشير الدراسات التطبيقية عن التضخم بشكل عام إلى أن المسببات الأساسية للتضخم هي ارتفاع مستوى الدخل أو زيادة الإنفاق الحكومي وتراجع معدل صرف العملة الوطنية وزيادة عرض النقود بمعدلات أعلى من النمو في الناتج، وعوامل أخرى أقل أهمية، وبالنسبة لحالة المملكة بصفة خاصة، هناك جدل واسع بين الاقتصاديين حول أثر تثبيت قيمة الريال بالدولار الأمريكي على تغذية الضغوط التضخمية في المملكة، حيث صاحب هذا التثبيت تراجعا مستمرا في قيمة الدولار منذ بداية القرن الواحد والعشرين، ومن المعلوم أنه ومنذ عام 1986 والريال مثبت بصورة جامدة مع الدولار الأمريكي، وبدون أي هوامش للتذبذب تسمح للريال بقدر ولو محدود من المرونة في امتصاص أثر التقلبات في عملة الربط على قيمته، بصفة خاصة في حالة حدوث تقلبات جوهرية في قيمة الدولار الأمريكي، الأمر الذي يساعد على الحفاظ على حد أدنى من تراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية وبحيث يمكن تخفيف آثار الضغوط التضخمية الناجمة عن التضخم المستورد الناتج عن تراجع قيمة الدولار الأمريكي، ولا شك أن مثل هذه السياسة لمعدل الصرف تجعل الاقتصاد الوطني عرضة للضغوط التضخمية المستوردة في حال تراجع قيمة عملة الربط عالميا.

وللتعبير عن التراجع في قيمة الريال الناتج عن الربط بالدولار الأمريكي تم استخدام معدل صرف الريال السعودي بوحدة حقوق السحب الخاصة (عملة صندوق النقد الدولي)، ويوضح الشكل رقم (1) أنه منذ أن تم ربط الريال بالدولار في منتصف الثمانينيات ومعدل صرف وحدة حقوق السحب الخاصة بالريال يميل نحو الارتفاع (أي انخفاض قيمة الريال) بشكل عام، الأمر الذي يعكس التراجع في معدل صرف الدولار (عملة الربط للريال السعودي) بالنسبة لوحدة حقوق السحب الخاصة.

يلاحظ أيضا أن هذا التراجع في قيمة الريال قد تزامن لسوء الحظ مع تزايد نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة، ذلك أنه خلال الفترة من 1980-2005 بلغ متوسط نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 27%، وهي نسبة معقولة، غير أنه بدءا من 2005 فإنه وعلى الرغم من تزايد الناتج المحلي في المملكة إلى مستويات قياسية، فإن الواردات ارتفعت أيضا بصورة جوهرية، وخلال الفترة من 2005 حتى 2010، ارتفعت نسبة الواردات إلى الناتج المحلي في المملكة في المتوسط إلى 35% من الناتج، بل إنه في عام 2009، بلغت نسبة الواردات إلى الناتج 43.1%، ومما لا شك فيه أن هذه النسب المرتفعة من الواردات إلى الناتج تؤدي إلى تزايد الضغوط التضخمية بصورة مضاعفة في المملكة وذلك بسبب ارتفاع الأسعار العالمية للسلع والخدمات المستوردة من الخارج من جانب، وكذلك بسبب تراجع قيمة الريال الناتج عن الربط بالدولار من جانب آخر، الأمر الذي يعني أن ارتفاع درجة انفتاح المملكة على العالم تجاريا يجعل استيراد التضخم من الخارج أمر لا مفر منه.

لقد شهد العالم في السنوات القليلة الماضية ارتفاعا كبيرا في أسعار السلع الغذائية إلى مستويات تاريخية، بصفة خاصة في عامي 2007-2008، بسبب ارتفاع أسعار النفط الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الغذاء، وكذلك تزايد الاتجاه في الدول الصناعية نحو إنتاج الوقود الحيوي كبديل للنفط المستورد، وذلك من خلال استخدام المنتجات الزراعية مثل الذرة وفول الصويا وقصب السكر لإنتاج وقود لتسيير السيارات في الدول المنتجة للغذاء وهو ما شكل طلبا إضافيا على الغذاء، كذلك ارتفع الطلب على الغذاء في العديد من مناطق العالم الأكثر نموا مثل الصين والهند بسبب تحسن مستويات الدخول والمعيشة، فضلا عن الجفاف والفيضانات الكارثية التي ضربت بعض بلاد العالم المنتجة للغذاء مثل أستراليا، وهو ما اثر سلبا على عرض الغذاء، وبالنسبة للدول المستوردة للغذاء فإن ارتفاع أسعاره يشكل مصدرا إضافيا للضغوط التضخمية في الداخل.

وبدون الخوض في التفاصيل حول مدى مناسبة أو عدم مناسبة سياسة ربط الريال بالدولار بصورة جامدة كأساس لتحديد معدل صرف الريال السعودي كما هو متبع حاليا، والتي ربما قد أتناولها في المستقبل، إلا أنه من المؤكد أن هذا الربط الجامد كان له تكلفة واضحة على المستوى العام للأسعار في المملكة، ومن ثم على مستوى معيشة المواطن، بالنظر إلى تراجع قيمة الدولار وتصاعد نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي وزيادة الأسعار العالمية للغذاء.



من ناحية أخرى فإنه دائما ما يشار في الدراسات التطبيقية عن التضخم إلى دور المتغيرات النقدية في خلق الضغوط التضخمية في الأسعار، وذلك عندما ينمو عرض النقود بمعدلات أعلى من معدلات النمو في الناتج، والذي يعبر عنه دائما بالمقولة الشهيرة "كمية كبيرة من النقود، تطارد كمية صغيرة من السلع والخدمات المنتجة"، ومن ثم تكون النتيجة هي ارتفاع المستوى العام للأسعار، ووفقا لنظرية كمية النقود، وبفرض حيادية النقود (في التأثير على الناتج)، فإن أي نمو يحدث في عرض النقود يؤدي إلى نمو مماثل وفي نفس الاتجاه في المستوى العام للأسعار، ومن ثم ارتفاع معدل التضخم.

عندما نعقد مقارنة بين معدلات النمو في عرض النقود في المملكة (عرض النقود بمفهومه الواسع M2) ومعدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، كما هو موضح في الشكل رقم (2)، نلاحظ أن معدل النمو في عرض النقود في المملكة كان بشكل عام وفي معظم السنوات، أعلى من معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي، ويترب على تزايد عرض النقود على هذا النحو توليد ضغوط تضخمية داخل الاقتصاد السعودي، وخصوصا في السنوات الأخيرة التي مالت فيها الأسعار نحو التزايد كما سبقت الإشارة.

بالطبع لا يمكن إهمال أثر العوامل الأخرى في توليد تلك الضغوط التضخمية، بصفة خاصة الإنفاق الحكومي الذي شهد هو الآخر طفرة في السنوات الأخيرة وذلك مع تحقيق المملكة لفوائض تجارية كبيرة ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط وتزايد الكميات المصدرة منه، الأمر الذي مكن المملكة من تبني برامج ضخمة وبراحة تامة للإنفاق الحكومي في شتى المجالات، وقد سبق أن تناولنا دور الحكومة في النشاط الاقتصادي في المملكة، وأوضحنا أن نصيب القطاع الحكومي والعام في الناتج المحلي الإجمالي يعتبر مرتفعا بشكل عام، ومع تزايد الإنفاق الحكومي تزداد مستويات الطلب الكلي في المملكة، وهو ما يؤدي إلى تزايد الضغوط التضخمية ومن ثم المستوى العام للأسعار.

الخلاصة هي أنه وخلال العقود الماضية كان معدل التضخم في المملكة منخفضا إلى حد كبير، غير أن السنوات الأخير بدأت تشهد مستويات قياسية لمعدل التضخم الناتج عن أسباب عديدة، والتي بلا شك تؤدي إلى التأثير على القوة الشرائية لدخل المواطن ومن ثم على مستوى معيشته.

هناك تعليقان (٢):

  1. تساؤل بعيد عن الموضوع دكتور.
    ما رأيك في شراء الليرة السورية والجنية المصري حاليا؟

    ردحذف
  2. لا انصح أبدا، لأنه من المتوقع تراجع هاتين العملتين في المستقبل

    ردحذف