الجمعة، فبراير 06، 2009

الأزمة المالية العالمية1: جذور الأزمة

نشر في مجلة المصارف عدد فبراير 2009
الجزء الثاني
جذور الأزمة

تتعدد تحاليل الكتاب حول جذور الأزمة المالية الحالية، غير انه يمكن اختصار جذور الأزمة في ثلاث عناصر أساسية هي الابتكارات المالية، وضعف رقابة السلطات النقدية، وضعف عملية تقييم المخاطر. وفيما يلي نتناول هذه العناصر بالتحليل.

1. الابتكارات المالية Financial Innovations

تم ابتكار أدوات مالية جديدة لتمويل الإقراض العقاري، لتسهيل عمليات التمويل العقاري ولتمكين المؤسسات المالية من تعظيم أرباحها من عمليات التمويل، وهذه الأدوات هي:

أ. القروض العقارية من الدرجة الثانية Subprime Mortgage

تطلق الكتابات العربية على أزمة القروض العقارية من الدرجة الثانية عبارة "أزمة الرهن العقاري"، والتي ينظر إليها على أنها المسبب الرئيسي للازمة، فما هي قروض الدرجة الثانية؟ القروض العقارية من الدرجة الثانية هي قروض تمنح لمقترضين لا يستوفون شروط الاقتراض التقليدية التي تتوافر في المقترضين المؤهلين للحصول على قروض وفقا لشروط قروض الدرجة الأولى Prime Mortgage. وإذا ما حاول أي من هؤلاء المقترضين التقدم للحصول على قرض وفقا لشروط قروض الدرجة الأولى فانه طلبه سيقابل بالرفض أما بسبب تاريخه الائتماني السيئ، أو أنه ليس لديه مقدم مالي كاف لإتمام الصفقة، أو ليس لديه أي وثائق حول تاريخ دخله الذي يحصل عليه، أو مزيج من هذه الأسباب أو أسباب أخرى. ونتيجة لذلك فان المقرضين يصنفون عملية الإقراض لمثل هؤلاء المقترضين بأنها عملية مرتفعة المخاطر، بصفة خاصة مخاطر التوقف عن السداد. ولهذا السبب يتم تحميل هذا النوع من الائتمان معدلات فوائد أعلى مقارنة بقروض الدرجة الأولى. وقد أدت الابتكارات المالية لهذه الأداة، إلى جعل المقترضين للقروض من الدرجة الثانية، والذين كانوا سابقا لا يتم تقديم قروض عقارية لهم، مقترضين جذابين لمؤسسات الإقراض العقاري. كما أدى الارتفاع في أسعار المساكن إلى ابتكار المقرضين لنظام قروض الإقراض العقاري معدلة الفائدة Adjustable Rate Mortgages، وذلك بتسهيلات كبيرة، وبدون مدفوعات مقدمة على القروض، وكذلك السماح للمقترضين بتأجيل دفع جانب من الفوائد على القروض وإضافتها إلى اصل القرض نفسه، استنادا إلى توقع أن أسعار المساكن سوف تواص الارتفاع في المستقبل.

إن التحدي الأساسي الذي واجهته المؤسسات المانحة للائتمان بالنسبة للمقترضين الذي يرغبون في الحصول على قروض عقارية لشراء مساكن ولكنهم غير مؤهلين للحصول على قروض بشروط قروض الدرجة الأولى، يتمثل في كيف يمكن أن تجعل المقترضين يستطيعون تحمل أعباء هذه القروض، وفي ذات الوقت جعل مثل هذه القروض مربحة بالنسبة للمؤسسة المالية المقرضة؟ لقد تمخضت عملية تطوير هذه الأداة في التمويل إلى جعل القرض من الدرجة الثانية يتكون من مرحلتين؛ مرحلة تمهيدية تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات، ومرحلة لاحقة على المرحلة التمهيدية. وخلال المرحلة التمهيدية تكون معدلات الفائدة على تلك القروض منخفضة في البداية، ثم تأخذ في الارتفاع بعد انتهاء المرحلة التمهيدية. مثل هذه المعدلات المنخفضة للفائدة في المرحلة الأولى تمكن المقترض بأن يخدم القرض بدفع معدلات الفائدة المنخفضة فقط دون أن يدفع أية أقساط من أصل القرض. غير أن معدلات الفائدة وأقساط خدمة الدين تعود مرة أخرى في الارتفاع بعد السنتين أو الثلاث سنوات التمهيدية للقرض. ولكن على أي أساس يقوم هذا النظام من التمويل بتخفيض مدفوعات خدمة الدين في المرحلة التمهيدية؟ انه يقوم أساسا على توقع ارتفاع أسعار المساكن خلال الفترة التمهيدية للقرض. ويعني ذلك أن تصميم هذا النوع من القروض موجه أساسا لتمكين المقترضين من الاستفادة من الارتفاع الذي يحدث في قيمة المساكن خلال الفترة الزمنية التمهيدية، وهو ما يساعدهم على إعادة التمويل بشروط أفضل (شروط قروض الدرجة الأولى) بعد انتهاء الفترة التمهيدية.

كيف إذن تم إقناع المقترضين ذوي الملاءة المنخفضة بقدرتهم على مواصلة خدمة ديونهم بعد تلك المدة التي تكون فيها خدمة الدين منخفضة؟ لقد تم ذلك على أساس إقناعهم بأنه خلال تلك الفترة سوف ترتفع أسعار مساكنهم بالدرجة التي تمكنهم من إعادة تمويل قروضهم. ولم لا وأسعار المساكن في معظم المناطق في الولايات المتحدة تزداد سنويا بين 10% - 20% سنويا، وهو ما يعني أن القرض الذي تصل قيمته إلى 100% من قيمة المسكن، سوف ينخفض إلى حوالي 80% في غضون هذه الفترة القصيرة جدا من الزمن، وان المقترض سوف يتمكن من إعادة التمويل من خلال قرض آخر على الزيادة في قيمة المسكن بشروط إقراض ميسرة. وقد كان التدهور في شروط الإقراض جوهريا، لدرجة أن نسبة القروض العقارية القابلة للتعديل ارتفعت من 50% تقريبا في عام 1999 إلى حوالي 80% في عام 2006.

من ناحية أخرى فان المؤسسات المقرضة تستفيد من هذا النظام لان شروط قروض الدرجة الثانية ستجبر المقترض إن آجلا أو عاجلا على إعادة التمويل، استنادا إلى الارتفاع المتوقع في سعر المساكن، وهو ما يقلل من مخاطر توقف المقترضين عن السداد على تلك المؤسسات. ولكن ماذا لو لم يرتفع سعر المساكن؟ من الواضح أن هذا السؤال لم يكن يدور في خلد أي من قادة القطاع المالي، لأنه في هذه الحالة، أخذا في الاعتبار طبيعة المقترضين، لن يتمكن المقترضين من إعادة التمويل بعد انتهاء الفترة التمهيدية للقرض، ومن ثم يرتفع احتمال التوقف عن السداد.

وقد ترتب على الزيادة الهائلة في قروض الدرجة الثانية المساعدة على نفخ بالونة أسعار المساكن، فقبل عالم 2000 لم تكن القروض العقارية من الدرجة الثانية موجودة تقريبا، ثم أخذت قروض الدرجة الثانية بعد ذلك في التزايد بمعدلات فلكية، وأصبح الكثير من المقترضين الغير مؤهلين للحصول على القروض العقارية مؤهلين لمثل هذه القروض، وقد ساعدت هذه المجموعة الجديدة من المقترضين غير المؤهلين إلى زيادة الطلب على المساكن مما ساعد في تضخيم أسعار المساكن.

غير أن الابتكارات في مجال الإقراض العقاري من خلال القروض العقارية من الدرجة الثانية بمفردها لم تكن لتمكن هذا العدد الكبير من المقترضين من الدرجة الثانية من الوصول إلى الائتمان بدون ابتكار آخر أكثر خطورة وهو ما يعرف بتوريق Securitizing القروض العقارية أو تجميع القروض العقارية في حزم ثم إعادة بيع سندات مغطاة بهذه الحزم لمستثمرين آخرين. وكانت شركتي "فاني ماي" و "فريدي ماك" للإقراض العقاري قد ابتكرتا هذا الأسلوب من التمويل في السبعينيات من القرن الماضي، من خلال منح ضماناتهما لتلك الأوراق المالية لكي تعطيها القابلية للتسويق. وبهذا الشكل تم تمويل الإقراض العقاري من الدرجة الثانية. معنى ذلك أن البنوك ومؤسسات الإقراض ووسطاء الإقراض العقاري يقومون بعقد هذه القروض، ولكنهم لا يحتفظون بها. فخلال العقد الماضي ابتكرت البنوك التجارية وبنوك الاستثمار طرقا جديدة لتوريق القروض العقارية من الدرجة الثانية بصفة أساسية من وضعها في حزم من التزامات الديون المرهونة Collateralized Debt Obligations وفي بعض الأحيان بسندات مغطاة بأصول، ثم تقسيم التدفقات النقدية الناجمة عن تلك الحزم على شرائح لكي تكون جذابة للمستثمرين من مختلف الفئات حسب درجات استعدادهم لتحمل المخاطرة.

ب. الأوراق المالية المغطاة بالقروض العقارية Residential Mortgage Backed Securities

ابتكرت بنوك الاستثمار الأوراق المالية المغطاة بالقروض العقارية وذلك بهدف تجميع تلك القروض وبيعها. ولكن على شركات الاستثمار في البداية أن تقوم بشراء القروض العقارية من المقرضين الأساسيين لها، ثم تقوم بعد ذلك بعملية فصل هذه القروض إلى مجموعات تسمى الشرائح، بحيث يتم سداد الشرائع العليا أولا ثم الشرائح الأدنى وهكذا، ومثل هذا النظام يمكن الشرائح المختلفة من أن يتم تصنيفها بشكل مختلف. وإذا ما ظلت معدلات التوقف عن السداد منخفضة فان الشرائح مرتفعة المخاطر تظل آمنة، أما إذا ما ارتفعت معدلات التوقف عن السداد، تصبح هذه الشرائح في خطر. وقد تم توسيع نطاق توريق القروض العقارية من صناعة القروض العقارية إلى تأمين الأوراق التجارية وقروض الطلبة ومديونيات بطاقات الائتمان وغيرها من أشكال القروض المختلفة.

ج. التزامات الديون المرهونة Collateralized Debt Obligations

التزامات الديون المرهونة هي عبارة عن أدوات مالية يتم اشتقاقها بواسطة المؤسسة المالية التي تقوم بشراء محفظة من السندات والديون أو أي أصول أخرى، ثم تقوم ببيع أوراق مالية مدعومة بالمدفوعات التي سيتم الحصول عليها من أصول المحفظة. وعلى الرغم من أن التزامات الديون المرهونة ليست مخصوصة بنوع معين من الديون، إلا أنها تستخدم أساسا في القروض غير العقارية أو السندات. ومن الناحية التقليدية فان التزامات الديون المرهونة هي أساسا نقدية، ويتم استخدام الأصول كرهان لها. وتتمثل أهم مزايا التزامات الديون المرهونة هي أنها تساعد على توزيع المخاطر. حيث أنه بما أن التزامات الديون المرهونة مضمونة بالعديد من الأصول فان فشل إحدى تلك الأصول سوف يكون له تأثير محدود بين مجموعة الأصول في المحفظة.

د. مقايضات مخاطر التوقف عن سداد الائتمان Credit Default Swaps

قامت شركات التأمين وبنوك الاستثمار وغيرها من المؤسسات بابتكار مشابه من خلال بيع ما يسمي بـ "مقايضات مخاطر التوقع عن سداد الائتمان" Credit Default Swaps حيث يقوم بائع هذه المقايضات بوضع رأسمال منخفض الحجم لتغطية تلك المبادلات في مقابل رسوم للضمان. وتعتبر مقايضات مخاطر الائتمان أحد المشتقات المالية التي تعمل بمثابة تأمين على الأوراق المالية، حيث يقوم البائع بضمان ملاءة الائتمان للمؤسسة المالية في مقابل رسم. ومن خلال ذلك فان مخاطر التوقف عن السداد يتم تحويلها من الطرف الذي يحتفظ بالقرض إلى بائع المقايضة. غير أن مقايضات مخاطر الائتمان يصاحبها قدر كبير من الالتزام على البائع. ففي حال فشل الأصول التي تغطي المقايضة، فان بائع المقايضة يصبح ملتزما بكامل قيمة المقايضة. وبما أن إيرادات البائع من المقايضة هي الرسوم التي يحصل عليها، فان التزامات البائع من بيع تلك المقايضات تكون أضعاف الرسوم التي يحصل عليها من عملية البيع. وعلى ذلك تحدث المشكلة الكبرى عندما يحدث انخفاض مفاجئ أو غير متوقع لقيمة الأصول التي تشكل المقايضة، في هذه الحالة سوف يتعرض بائع المقايضة لخسائر ضخمة نتيجة لالتزامه بهذه المقايضات. وقد تمكن مبتكرو تلك الأداة من تمويل عمليات الإقراض من الدرجة الثانية من خلال بورصة الأوراق المالية، وهو ما ساهم في دعم النمو الحادث في القروض العقارية من الدرجة الثانية، ومن ثم تحويل الأموال من مستثمرين مؤسسيين إلى الإقراض العقاري من الدرجة الثانية.

ويترتب على مثل هذه المشتقات احتمال ارتفاع التزامات بائعها إذا مالت قيم الأصول نحو الانخفاض، حيث أنه من الواضح أن الكثير من المشتقات الجديدة مثل مقايضات مخاطر الائتمان يمكن أن يترتب عليها التزامات مالية على البائع تساوي إضعاف قيمة الإيرادات التي يتم توليدها من عمليات بيعها، وذلك إذا مالت قيم الأصول التي يتم مقايضتها نحو الانخفاض. فقد قام الكثير من مالكي السندات المغطاة بالقروض العقارية بشراء مقايضات مخاطر الائتمان. وعندما حدثت الأزمة كان انخفاض قيم المساكن كبيرا إلى الحد الذي أدى إلى توليد التزامات ضخمة لبائعي مقايضات مخاطر الائتمان. على سبيل المثال فان المشكلة الأساسية للمجموعة الأمريكية الدولية والتي تعد اكبر شركات التأمين في العالم لـ AIG كانت ناجمة عن مقايضات مخاطر الائتمان.

أصبحت عملية التوريق إذن حل للتخلص من مشكلة ارتفاع المخاطرة حيث أنها تخلص مقدمي القروض من قيود السيولة في ميزانياتهم، من خلال بيع القروض لطرف ثالث وإزالتها من ميزانياتهم، ثم استخدام عوائد عمليات البيع في منح المزيد من القروض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق