السبت، فبراير 21، 2009

هل تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى حرب تجارية عالمية

نشر في جريدة القبس بتاريخ السبت 21/9/2009
بدأت الدعوة للقومية الاقتصادية تنتشر الآن عبر كافة اقتصاديات العالم، حيث يدعو السياسيون الآن المستهلكين لشراء السلع الوطنية، وكذلك تتزايد الدعوات إلى الحد من توظيف الأجانب، أكثر من ذلك فان جانبا من خطط الإنقاذ للقطاع المالي وبعض القطاعات الصناعية التي تتبناها دول العالم يتناقض مع التزاماتها نحو منظمة التجارة العالمية التي يبدو أنها لم يعد لها صوت وسط جلبة الأزمة، حيث يفترض أن كافة أشكال الدعم والمعاملة الوطنية لا يسمح بها وفقا لقانون المنظمة. المد المعاكس للعولمة بدأ ينطلق الآن من الدول الصناعية في صور مختلفة للدعم وخطط التحفيز المالي الموجهة لمعالجة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. إذا استمر هذا المد فان العالم مرشح لان يعيد التجربة المريرة للحماية التجارية أثناء الكساد العالمي الكبير، حيث حاولت كل دولة أن تحمي مصالحها الذاتية دون النظر إلى أثار تلك السياسات على غيرها من الدول، وبدون تقييم للآثار السلبية التي يمكن أن تترتب على هذه السياسات محليا، وتعرف هذه الإجراءات بسياسات "إفقار الجار"، الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد الأزمة، وتعمق آثارها. فخلال المدة من 1929-1932 انخفض حجم التجارة العالمية بنسبة 60%، كما انخفض حجم الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة بأكثر من 35%.

في يناير 2009 أصدر قانون استعادة النشاط وإعادة الاستثمار الأمريكي، والذي اشترط على كافة المشروعات العامة التي سيتم تمويلها من خلال خطة التحفيز المالي الأمريكية أن تستخدم فقط الحديد والصلب المنتج في الولايات المتحدة، غير أن مجلس الشيوخ قد قام بتوسيع تلك الفقرة لتشمل كافة الاحتياجات من المنتجات الصناعية، وقد تم إدراج هذا الشرط في القانون على أساس أن أموال دافعي الضرائب يجب أن تذهب إلى العمال الأمريكيين. هذا الشرط أثار المخاوف في أن تقوم الدول الأخرى بتقليد ممارسات الولايات المتحدة الأمريكية أو أن تنتقم من انتهاك الولايات المتحدة لالتزاماتها التجارية، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة للمزيد من الوظائف. "اشتري الأمريكي"، شعار ترفعه الولايات المتحدة الأمريكية حاليا تدعو فيه الجمهور الأمريكي على اختلاف فئاته إلى شراء السلع الأمريكية الصنع ووقف التوسع الواضح في السلع الأجنبية في الأسواق الأمريكية على حساب السلع الأمريكية، ومن ثم الحد من تدهور معدلات البطالة بين العمال الأمريكيين وتدهور مستويات الاستثمار الصناعي والناتج المحلي الإجمالي بشكل عام. الشرط الأمريكي بشراء السلع الأمريكية قائم على فكرة المضاعف الكينزي، وهو انه كلما كان الإنفاق يتم محليا كلما كانت قيمة مضاعف الإنفاق اكبر، بينما تقل قيمة المضاعف كلما أدى الإنفاق إلى مزيد من الواردات، والذي، من وجهة نظر البعض، يقلل من فاعلية خطة الإنقاذ الأمريكية.

انطلقت الانتقادات الخارجية للشرط الأمريكي مباشرة عقب إصداره، على سبيل المثال تصاعد الانتقاد الكندي للقانون الأمريكي المقترح بالإشارة إلى أن تلك المادة في خطة الإنقاذ تتعارض مع الالتزامات التجارية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها يمكن أن تخنق جهود استعادة النشاط الاقتصادي العالمي، وأنها تثير القلق حول احتمالات تأثير الحماية الأمريكية على التجارة بين الدولتين. كذلك هاجم الرئيس البرازيلي هذا التحرك الأمريكي، وأعلنت اليابان معارضتها للخطوة الأمريكية. ويتصاعد القلق بشكل واضح في الاتحاد الأوروبي من هذا الاتجاه الجديد في السياسة التجارية الأمريكية. حيث ينظر إلى التحرك الأمريكي على أنه يعد منافيا لقواعد منظمة التجارة العالمية، وهو ما يسمح باتخاذ إجراء قانوني في إطار المنظمة من قبل شركاء الولايات المتحدة التجاريين. من ناحية أخرى فان شعار اشتري الأمريكي يعد تناقضا مع التزامات الولايات المتحدة أمام مجموعة العشرين بألا تتخذ أي إجراءات حمائية جديدة في إطار سياسات إفقار الجار.

"اشتري الأمريكي" وضع أوباما في واحدة من أعقد معضلات فترته الرئاسية وبصورة مبكرة جدا، فكيف يتمكن من تحقيق هدفين متعارضين في ذات الوقت؛ الأول وهو حماية وظائف الأمريكيين، والثاني حشد دعم شركاءه التجاريين للعمل سويا من اجل معالجة الأزمة الاقتصادية العالمية. الرئيس الأمريكي نفى أن تكون الحماية ضمن أجندته السياسية، قائلا بأنه لا يمكن أن نرسل إشارة حمائية إلى العالم وأضاف انه من الخطأ القيام بذلك في الوقت الحالي، حيث أن هذه الرسالة تعد مصدرا كامنا للحرب التجارية. غير أن مثل هذه الإجراءات ينظر إليها من قبل شركاء أمريكا التجاريين على أنها تقف في وجه اتفاقيات التجارة العالمية الموقعة من كافة الأطراف، ويمكن أن تؤدي إلى المزيد من المشكلات التجارية. ذلك أن الأثر السلبي الناجم عن الإجراءات الانتقامية من قبل الشركاء التجاريين للولايات المتحدة على عملية خلق الوظائف سوف يكون اكبر بكثير من الأثر الايجابي على الوظائف الأمريكية، وأن عملية خلق الوظائف لا تأتي من الإجراءات الحمائية بقدر ما تأتي من الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي ومن ثم خلق المزيد من الوظائف باستخدام أموال خطة التحفيز. لقد قام معهد بيترسون للاقتصاد الدولي بعملية تقدير للفرص الوظيفية التي يمكن أن تنتج عن رفع شعار "اشتري الأمريكي" في صناعة الحديد والصلب، فوجد أن هذا الشعار يمكن أن يسمح بخلق حوالي 1000 وظيفة إضافية، نظرا لان صناعة الحديد والصلب كثيفة الاستخدام لرأس المال، والتي لا تساوي شيئا يذكر بالقياس إلى عدد العمال في الولايات المتحدة الذي يزيد عن 140 مليونا، كذلك توصل إلى أن مد الدعوة لكي تشمل كافة السلع المصنعة ربما يؤدي إلى فتح 9000 فرصة عمل إضافية، وهو ما يعد مرة أخرى يعد رقما ضئيلا. من ناحية أخرى فانه إذا ما خسرت الولايات المتحدة جزءا صغيرا من صادراتها إلى المؤسسات العامة في الخارج نتيجة للإجراءات الانتقامية فان خسارة الوظائف في الولايات المتحدة ربما تتراوح بين 6500 إلى 65000 وظيفة. خلاصة الدراسة هي أن الحماية التجارية لن تكون في صالح الولايات المتحدة أو العالم.

السياسات الحمائية الجديدة لأمريكا لم تقتصر على السلع، وإنما امتدت إلى تشديد القيود المفروضة على الهجرة إلى أمريكا، حيث صوت مجلس الشيوخ في 6 فبراير الماضي على تقييد قدرة البنوك، وغيرها من المؤسسات المالية التي تحصل على أموال دافعي الضرائب في إطار برنامج الإنقاذ، على توظيف عمال مهرة أجانب بتصاريح عمل مؤقتة، والتي ينظر إليها البعض على أنها أكثر ضررا على الاقتصاد الأمريكي من شرط "اشتري ألأمريكي" على الأقل في الأجل الطويل، حيث أن صناعة المال الأمريكية في حاجة إلى هؤلاء خصوصا مع تراجع مستويات الرواتب والقيود الحالية على أعداد العمال المهرة في صناعة المال. ومثل هؤلاء هم من يساعدون أمريكا على خلق المزيد من الوظائف من خلال الأساليب الجديدة التي يطبقونها والحلول التي يقترحونها. من ناحية أخرى فان المهاجرين الأجانب خلال العشر سنوات الأخيرة قاموا بإنشاء المئات من المشروعات الجديدة التي أسهمت في توظيف ما يقرب من نصف مليون أمريكي. سياسات الهجرة الأمريكية كانت في وقت من الأوقات هي الوحيدة من بين السياسات التي نجحت في جذب المهاجرين مرتفعي المهارات إلى الولايات المتحدة، وهو ما دعا أوروبا ألان إلى أن تأخذ نفس النهج لجذب المزيد من المهاجرين مرتفعي المهارة، بحيث أصبح هناك منافسة دولية بين أوروبا والولايات المتحدة على جذب العقول المهاجرة. في ظل هذا التعديل الجديد للقانون فان القدرة التنافسية للولايات المتحدة في هذا المجال تصبح أقل.

المخاوف من انتشار الحماية تعززت مع التصريحات الحمائية للرئيس ساركوزي وخطة الحكومة لإنقاذ صناعة السيارات الفرنسية، حيث ينوي الفرنسيون منح قروض مضمونة من الحكومة لمدة 5 سنوات بأسعار فائدة منخفضة لشركات رينو وبيجو وستروين، كذلك سوف يتم تقديم مساعدة مالية للبنوك التي تقوم بتقديم قروض لشراء السيارات وذلك في مقابل التزام شركات السيارات الفرنسية بعدم إغلاق أي من مصانع السيارات المحلية لتجنب خفض عدد الوظائف في فرنسا وكذلك بشرط عدم بيع السيارات الفرنسية المصنعة في الخارج داخل فرنسا. دعوة ساركوزي لشركات السيارات الفرنسية واضحة، وهي إعادة إنتاج السيارات من شرق أوروبا إلى المصانع الفرنسية في فرنسا، في إشارة واضحة إلى مصانع بيجو وسيتروين في جمهورية التشيك. مشكلة الخطة الفرنسية هي أنها تربط حماية الوظائف المحلية في فرنسا بالمساعدة المالية. الخطة الفرنسية واجهت انتقادا شديدا من ألمانيا التي وصفت الخطة بأنها أحد أشكال الحماية التجارية، وللتعبير عن إيمان ألمانيا بحرية التجارة فان خطة التحفيز الألمانية نصت على منح المشترين للسيارات الذين يستبدلون سياراتهم القديمة بسيارات جديدة مساعدة مالية، غير أنها لم تقصر تلك المساعدة على السيارات الألمانية فقط. إذا ترتب على الخطة الفرنسية أن يطلب من المصنعين شراء المنتجات الفرنسية فقط أو الاستثمار في فرنسا فقط، فان الخطة تعد انتهاكا للقانون الأوروبي، وربما لا تقر بواسطة الاتحاد الأوروبي.

من ناحية أخرى فان سياسات الحماية أخذت أيضا في التصاعد في الصين، والتي تشجع شراء السلع المنتجة المحلية، هذه السياسات كانت تمثل مشكلة كبيرة في الصين خلال الثمانينيات والتسعينيات. الحماية الصينية الآن تأخذ أشكالا عديدة، أهمها التركيز على شراء الماركات المصنعة محليا، واشتراط ألا تقل نسبة المعدات المصنعة محليا في السلع التي تجمع أو تصنع داخل الصين عن حد معين، ومنح دعم إضافي لآلات الحرث والآلات الزراعية المصنعة محليا، كما أن مشاريع البنية التحتية يجب أن تستخدم منتجات مصنعة محليا على سبيل المثال الاسمنت المصنع محليا.. الخ.

من جانبهم حذر المديرون التنفيذيون لصناعة تكنولوجيا المعلومات بأنه إذا أجبرت المشروعات في بريطانيا على شراء خدمات تكنولوجيا المعلومات من الشركات البريطانية فان ذلك سوف يعد أحد أشكال الحماية، وذلك في تخوف من أن إجراءات للحماية في هذا المجال قد تصدر في المملكة المتحدة لإجبار الشركات البريطانية على عدم تكليف الشركات الهندية بتوفير تلك الخدمات بهدف خلق المزيد من الوظائف في المملكة المتحدة. وفي بريطانيا أيضا حدثت إضرابات عمالية تعترض على توظيف العمال الايطاليين والبرتغاليين في المشروعات النفطية، ورفعت شعار الوظائف البريطانية للعمال البريطانيين. وفي مجال الخدمات المالية أصبحت سويسرا اليوم تفضل القروض المحلية، من خلال إهمال حساب تلك القروض عند حساب مستويات رأس المال التي يجب أن تحتفظ بها البنوك، بينما يتم حساب القروض الأجنبية بالكامل عند حساب مستويات رأس المال. باقي الخدمات القابلة للاتجار فيها مثل الاتصالات والتوزيع والنقل والخدمات المهنية .. الخ عرضة أيضا لمثل هذه الممارسات مما سيؤدي إلى أعباء اكبر على المستوى الدولي.

العالم الآن يتجه بصورة واضحة نحو الحماية التجارية، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إذا أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى انتشار الحماية التجارية فإن هناك كسادا عظيما ينتظر العالم، وربما يكون أعنف بكثير من أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي. ذلك أن سياسات إفقار الجار هي روشتة للدمار الاقتصادي العالمي، ولذلك حرص الوزراء في مجموعة العشرين على تأكيد عدم اتخاذ إجراءات حمائية أثناء الأزمة. غير أن الالتزام بعدم اتخاذ إجراءات حمائية يبدو أنه مقصور حاليا على حوائط التعريفة الجمركية على الواردات، في الوقت الذي اتخذت فيه سلسلة من الإجراءات بواسطة الكتل التجارية الرئيسية في العالم بعضها في إطار نقدي والآخر في إطار مالي وجميعها تؤدي إلى تشويه ساحة اللعب لصالح الشركات الوطنية، ومن ثم التمييز ضد الشركات الأجنبية المنتجة للسلع والخدمات، أو تؤدي إلى التمييز ضد عناصر الإنتاج غير الوطنية. وهو ما يعني أن الكتل التجارية الرئيسية يتزايد استخدامها للإجراءات غير التعريفية. إذا كانت استجابة اكبر الاقتصاديات في العالم للازمة على هذا النحو فان المزيد من الاضطرابات الاقتصادية ينتظر العالم، ومن الممكن أن تؤدي الحماية إلى حرب تجارية بين المجموعات التجارية الكبرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق