السبت، فبراير 28، 2009

هدر المال العام واجب شرعي

نشر في جريدة القبس بتاريخ الأحد 1/2/2009
في برنامج لتليفزيون العدالة يوم الخميس الماضي 19/2/2009 الساعة 9.30 مساءا تم تناول قضية إلغاء قروض المواطنين في مقابل الخطة المقترحة للاستقرار المالي، وفي أثناء الحوار حدث اتصال من أحد المشاهدين للبرنامج، وأشار إلى أن هناك حاليا فتوى مضمونها أن "إلغاء القروض الشخصية في دولة الكويت هو واجب شرعي" بمعنى انه أصبحت الموافقة على مقترح إلغاء القروض في حال طرح الموضوع للإقرار مرة أخرى أصبح واجبا شرعيا على الجميع. بجرة القلم الذي سطر تلك الفتوى أصبحت الدولة مطالبة الآن بتحمل أكثر من 5 مليار دينار هي تكلفة إلغاء القروض الشخصية للمواطنين. منذ فترة قليلة قطع السيد جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة الباب على المزايدين على قضية إلغاء القروض حينما صرح بان موضوع إلغاء القروض انتهى من الناحية الرسمية، حيث سبق أن صوت عليه المجلس بالرفض سابقا، ومن ثم لا يجوز إعادة طرح الموضوع على المجلس. غير أن الموضوع قد أعيد الزج به مرة أخرى في خضم مناقشة قانون الاستقرار المالي المطروح حاليا، بحيث يمكن أن تضمن الحكومة الموافقة على قانون الاستقرار المالي في مقابل إلغاء قروض المواطنين، استنادا إلى الحجة القائلة بأنه إذا كانت الحكومة ستقوم بإنقاذ البنوك وشركات الاستثمار، فالأولى بها أن تنقذ المواطن من قيد القروض الشخصية. الدعوة لإلغاء قروض المواطنين حججها ضعيفة، فضلا عن ذلك فان هناك عدد من الملاحظات التي يجب أخذها في الاعتبار عند إجراء هذه التوأمة غير الموضوعية بين إقرار قانون الاستقرار المالي وإلغاء قروض المواطنين أهمها:

أولا: أن الدعوة إلى إلغاء القروض الشخصية تعد مخالفة دستورية واضحة لما تحمله من شبهة عدم العدالة بين المواطنين في الاستفادة من المال العام. ذلك أن ليس كل المواطنين مقترضين، أو ليس كل المواطنين مقترضين لنفس القرض، كما أنه ليس كل المقترضين غير قادرين على السداد، وليس كل المواطنين يرزحون تحت عبئ القروض بالصورة التي يروج لها المطالبين بالمقترح، وعلى ذلك فان المقترح بإلغاء القروض الشخصية يمثل مخالفة صريحة لدستور دولة الكويت لما يؤدي إليه من عدم المساواة بين المواطنين.

ثانيا: إن المقارنة بين قانون الاستقرار المالي وإلغاء القروض أمر غير موضوعي، حيث لا يوجد أي وجه للمقارنة بينهما سوى أن المال العام سوف يتم استخدامه في الحالتين، ولكن بأسلوب وتبعات مختلفة تماما. فوفقا لمشروع قانون الاستقرار المالي سوف يتم استخدام المال العام في صورة تسهيلات مالية لرفع مستويات السيولة لدى المؤسسات المالية التي تواجه عجزا مؤقتا في السيولة في مقابل تكلفة مالية تتحملها المؤسسات التي ينطبق عليها الشروط وليس بصورة مجانية، وبضمانات كافية تضمن استعادة الدولة لهذه التسهيلات، معنى ذلك أن المال العام المقدم في ظل قانون الاستقرار المالي لن يقدم في صورة مساعدة مجانية، كما يروج البعض، وسيعود المال العام المستخدم في ظل قانون الاستقرار المالي مرة أخرى إلى خزانة الدولة. أما المال العام الذي سيستخدم في إلغاء القروض الشخصية، فهو بمثابة أموال ضاعت على الدولة (أقصد جميع المواطنين الحاليين والأجيال القادمة) في سبيل شراء الدولة لقروض المواطنين من البنوك.

ثالثا: أن المال العام الذي سيستخدم في إلغاء القروض الشخصية سيتم بدون أي شروط أو ضوابط، حيث، ببساط شديدة، سيستفيد منه أي مقترض بغض النظر عن ملاءته المالية ومدى استحقاقه للمساعدة، ومدى العبء الحقيقي للقرض عليه، أما المال العام الذي سيتم استخدامه وفقا لقانون الإصلاح المالي فسيتم تحت شروط محددة ولمدد محددة لضمان استرداد هذه الأموال مرة أخرى.

رابعا: أن المال العام الذي سيستخدم وفقا لقانون الاستقرار المالي هو أساسا تسهيلات مقدمة للبنوك لتفادي أزمة حقيقية يمكن أن تطال آثارها الجميع في حال إفلاس أحد البنوك لما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار مدمرة على النظام المالي برمته في الدولة. أما المال العام الذي سيستخدم في شراء القروض فيمثل نثرا للمال لحل مشكلة غير حقيقية، فوفقا لبيانات البنك المركزي فان نسبة المتعثرين من المقترضين غير القادرين على السداد محدودة جدا، وهو ما يعني أن النظام المصرفي يمكن أن يستمر بسهولة حتى مع إعسار بعض المدينين.

خامسا أن المال العام المقدم في إطار قانون الاستقرار المالي سوف يساعد مؤسسات القطاع المالي على الاستمرار في العمل ومن ثم المزيد من الإنتاج والتوظيف والاستقرار الاقتصادي، بينما المال العام الذي سيستخدم في إلغاء القروض سوف يرسخ مفاهيم مدمرة لدى الفرد، ومن المؤكد انه سوف يشجع الآلاف المستفيدين من الخطة على إعادة الاقتراض مرة أخرى، أي أن الدعوة إلى إلغاء القروض سوف ترسخ ثقافة الهدر لدى المواطنين وثقافة المسئولية الكاملة للدولة عن المواطن.

مشروع قانون الاستقرار الاقتصادي ليس هدرا للمال العام ولن يذهب المال العام لجيوب أصحاب شركات الاستثمار كما يروج البعض، بل على العكس فوفقا للقانون فان الشركات التي سيثبت أنها غير مستحقة للمساعدة تكتب شهادة وفاتها حاليا.

أستغرب أن يتم إصدار فتوى "شرعية" بهذا المعنى وبهذه السهولة، فمما لا شك فيه أن من اصدر الفتوى كان بحاجة إلى أن يدرس آليات عمل النظام المالي، ودوافع الأفراد للاقتراض، والأغراض التي تستخدم فيها القروض الشخصية، ومتى يصبح القرض عبئا، واعتبارات العدالة الاجتماعية عند استخدام المال العام، وقواعد العدالة بين الأجيال في الاستفادة من المال العام، والعوامل التي تتحكم في قدرة الأفراد على خدمة قروضهم، بما في ذلك دخلهم الدائم، أي القيمة الحالية للدخول المتوقعة لدخول الأفراد حاليا وفي المستقبل، فمن قد يبدو أنه غير قادر حاليا على خدمة قرضه، قد يكون قادرا على ذلك في المستقبل، عندما يرتفع دخله وتقل أعباءه .. الخ قبل إصدار فتوى من هذا النوع. لقد أشيع عن الملك فاروق (أمير المؤمنين في عصره) قوله أنه يمكنه أن يحصل على أي فتوى ب "ديك رومي"، أي عزومةة شخصية للشيخ وطرح الموضوع والحصول على الفتوى في إشارة إلى سهولة الحصول على الفتوى، طالما كثر المفتين، وما أكثر المفتون في هذا العصر.

السلوك المنطقي والطبيعي في التعامل مع المشكلة هو أنه إذا كانت هناك مشكلة لدى بعض المواطنين في خدمة ديونهم نتيجة لارتفاع عبئ الدين بالنسبة للدخل، فان هناك أدوات عديدة يمكن من خلالها التعامل مع تلك الحالات، بدلا من شطب الدين، وبحيث لا نأخذ العاطل في الباطل، فهو أمر في غاية الخطورة ويرسخ ثقافة ضارة جدا على المجتمع. من لا يمكنه السداد، يمكن إعادة جدولة ديونه، أو إعادة هيكلة خدمة الدين عليه لفترات أطول، حتى يتمكن من استعادة قدرته على السداد، من خلال برامج متعددة مثل صندوق مساعدة المتعثرين، أو إلغاء جانب من دينه في الحالات المتعثرة جدا من خلال مثل هذا الصندوق، وذلك بعد أن تتم دراسة كل حالة على حده وبصورة موضوعية، فليس كل مقترض غير قادر على السداد، سواء حاليا أو في المستقبل.

احتياطيات الكويت المالية ليست ملكا للجيل الحالي فقط، وإنما هي ملك أيضا للأجيال القادمة، وعلينا أن نعمل بمبدأ المحاسبة بين الأجيال، فعندما تنثر هذه الأموال على الجيل الحالي فقط، فان ذلك يحمل ظلما فادحا للأجيال القادمة، فهل من ينادي بإلغاء القروض على استعداد لتحمل المساءلة أمام الله عز وجل عن ذلك، خصوصا وان واقع الحال يشير إلى أن تلك الأجيال لن تعيش في مستويات الرفاه التي ننعم بها حاليا، بصفة خاصة عندما ينتهي عهد النفط. ثم هل تجوز المطالبة بإلغاء القروض على الجميع من يستحق ومن لا يستحق، القادر وغير القادر، أو غير القادر حاليا مع احتمال ارتفاع قدرته في المستقبل. إن المشكلة الجوهرية هنا في وجهة نظري ليست من سيستفيد من إسقاط القروض؟، وإنما هي المتضرر من إسقاط القروض؟ بمعنى آخر من سيدفع التكلفة؟ إنهم للأسف أطفال الحاضر وأسر المستقبل، أي الأجيال القادمة، والذين سيدفعون ثمنا باهظا لتلك الهرطقات التي لا تهدف إلا لدغدغة الشارع، وتدعيم المراكز الانتخابية، وضمان أصوات تمكن من احتلال كرسي في البرلمان القادم، أما الكويت ومصلحتها، والأجيال القادمة ورفاهيتها، والتنمية ومستقبلها، فتلك أمور لا تعني البعض للأسف. إسقاط القروض، لو تم، فانه سيكون بمثابة أكبر تبرع انتخابي في التاريخ تقدمه حكومة لنائب أو مجموعة من النواب من أجل تأمين مقعد برلماني، وتلك في وجهة نظري جريمة في حق الأجيال القادمة، فكيف به يصبح واجبا شرعيا.

هناك تعليقان (2):

  1. محمد عندك وعي وفهم وحب للكويت أكثر من بعض ممن يحمل جنسية البلد! شكراً على كتاباتك الهادفة.

    ردحذف
  2. شكرا جزيلا، ولكني أحب هذا البلد تماما مثلما أحب بلدي، فقد عملت فيه أكثر مما عملت في أي مكان آخر، وأرى في الكويت طاقات جبارة كامنة، سواء تلك المادية أو البشرية. تحتاج الكويت الى ان تتحرر من قيودها حتى تنطلق نحو مستقبل افضل مما نسير اليه حاليا، وحتى يأتي هذا اليوم على الجميع ان يعمل في سبيل الاسراع بذلك.

    ردحذف