الخميس، يونيو 04، 2009

التضخم الجامح في زيمبابوي يتحول إلى انكماش

في تطور هام جدا أعلنت وكالة رويتر في 29 مايو أن معدل التضخم الشهري في زيمبابوي قد أصبح في ابريل 2009 سالب 1.1%، ويعني ذلك أن زيمبابوي قد انتقلت من حالة التضخم الجامح Hyperinflation إلى حالة انكماش سعري في غضون أشهر قليلة، وذلك بعد إعلانها التخلي عن عملتها الدولار الزيمبابوي، والذي تحول إلى كابوس مرعب لكل من يتعامل به في زيمبابوي بسبب الكميات الفلكية التي يتم إصدارها منه لدرجة أنه أصبح بلا قيمة من الناحية الفعلية، والسماح بتداول عملات أجنبية أخرى داخل البلاد. فقد بلغ معدل التضخم وفقا للأرقام الرسمية 231000000% في العام الماضي. وكانت زيمبابوي في العام الماضي تمثل نموذجا حيا لحالة التضخم الجامح التي يعاني منها بعض البلدان في العالم من فترة إلى أخرى نتيجة الإفراط الشديد في عملية إصدار النقود، إلى الحد الذي تتدهور فيه القوة الشرائية لها بسرعة رهيبة. فقد أصبحت تكاليف المعيشة تفوق قدرة الجميع في زيمبابوي، وأصبح الشعب الزيمبابوي يجيد حفظ الأرقام الهائلة التي لا يعرفها معظم سكان العالم، كأسعار لسلع بسيطة مثل بيضة، أو ملعقة من الزيت. كما أصبح جميع شعب زيمبابوي الفقير تريليونيرات بمقاييس العملة المحلية، بسبب الطوفان الهائل من النقود الذي صبه النظام عليهم، والذي أدى إلى تورنادو سعري ترتب عليه ارتفاع الأسعار في كل دقيقة، وفقدت النقود وظيفتها كمخزن للقيمة، وكذلك لم تعد البنوك مركزا لجذب المدخرات حيث توقفت الودائع في البنوك، فمن ذا الذي يودع مبلغا من المال سوف يصبح بلا قيمة في غضون فترة قصيرة جدا، وأصبح حمل النقود يمثل مشكلة لمن يريد أن يشتري أي سلعة، حيث يحتاج الشخص إلى أن يكون قوي البنية مفتول العضلات لكي يحمل الكميات الكبيرة من رزم النقود لشراء دجاجة مجمدة مثلا. نتيجة للتضخم الجامح انهار القطاع الصناعي في زيمبابوي، وارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات هائلة، وهجر البلاد كل من كانت تسنح له الفرصة تقريبا، لدرجة أن ما يفوق ثلث شعب زيمبابوي قد غادر البلاد هاربا من جحيم الأسعار الذي يلهب كل من يعيش فيها، وتحولت الدولة من دولة مصدرة للغذاء إلى شعب يعيش على المعونات الغذائية، وخلت المحلات من السلع تقريبا، وأصبح من الواضح أن زيمبابوي تتجه نحو دولة تعيش وراء المدنية الحديثة.

ونتيجة للتدهور الرهيب في قيمة الدولار الزيمبابوي لم يجد البنك المركزي بدا من السماح للجمهور باستخدام العملات الأجنبية بدلا من العمة المحلية كوسيط للتبادل. بسماحها لجمهور المتعاملين باستخدام عملات أخرى غير الدولار الزيمبابوي، فان ذلك يعني أن زيمبابوي قد ألغت من الناحية الفعلية عملتها الرسمية، لأنه لن يقدم احد على استخدام عملة تتدهور قيمتها كل ثانية تقريبا. ولذلك تواجه زيمبابوي أزمة حادة في العملات الأجنبية، نظرا لتراجع صادراتها، وضعف موارد النقد الأجنبي المتاحة لها. ومن ثم فان الاقتصاد الزيمبابوي في حاجة ماسة إلى تدفقات كافية من النقد الأجنبي لكي يحدث الاستقرار الاقتصادي اللازم للتعافي من الآثار المدمرة للتضخم الجامح الذي شهدته بالبلاد في العام الماضي، وقد قدرت احتياجات زيمبابوي في هذا العام بحوالي 8.3 مليار دولار لكي يتمكن الاقتصاد الزيمبابوي من استعادة مستويات التوظف والقضاء على مستويات البطالة المرتفعة، وتنشيط القطاع الصناعي. ربما يكون من المستحيل أن تتمكن زيمبابوي من تدبير هذا القدر من تدفقات رؤوس الأموال في ظل أوضاعها الحالية، بصفة خاصة السياسية، وحتى في ظل تعاونها مع صندوق النقد الدولي لوضع برنامج للاستقرار الاقتصادي في زيمبابوي، يصعب على زيمبابوي تدبير تلك الأموال الطائلة في ظل العزلة شبه الدولية التي يعيشها النظام، ولذلك سوف تظل زيمبابوي تعاني من مشاكلها المزمنة لفترة قادمة من الزمن.

من المؤشرات الايجابية في زيمبابوي أن الحياة الآن قد اختلفت بعض الشئ بعد أن تم تشكيل حكومة تحالف من الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي، ومنافسه زعيم المعارضة تسيفانجياري، الآن تمت إعادة فتح المدارس والمستشفيات كما أضحت المحلات تعرض الآن السلع الأساسية بعد أن خلت تماما منها، وأصبح من الواضح أن الحياة تعود إلى طبيعتها السابقة شيئا فشيئا في هذا البلد الفقير الذي مزقته طموحات موجابي وإصراره على أن يكون رئيس زيمبابوي حتى آخر نفس في حياته القصيرة في عمر زيمبابوي، والطويلة جدا بالنسبة لشعب زيمبابوي المسكين. الأمر المؤكد أن موجابي سوف يذهب يوما ما غير مأسوف عليه، وستبقى زيمبابوي، ولكن بأي حال ستبقى هذا ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة

للاطلاع على مصدر الخبر اضغط على الرابط: http://www.reuters.com/article/latestCrisis/idUSLT1017948?sp=true


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق