الأحد، مايو 31، 2009

صناديق الثروة السيادية

نشر في جريدة القبس بتاريخ الأحد 31/5/2009

صندوق الثروة السيادي هو صندوق تملكه الحكومة، يتولى توظيف الأصول الناجمة عن فوائض ميزان المدفوعات أو إيرادات عملية التخصيص أو فوائض الميزانية العامة واستثمارها في الأصول الأجنبية. ولا يدخل ضمن موارد صندوق الثروة السيادي احتياطيات النقد الأجنبي التي يمتلكها البنك المركزي لأغراض التدخل في سوق الصرف الأجنبي أو صناديق التقاعد لموظفي الحكومة. وتعتبر الكويت أول دولة في العالم تقوم بإنشاء مثل هذه الصناديق عندما قامت في 1953 بإنشاء صندوق ثروة سيادي يهدف إلى حماية الاستقرار الاقتصادي المحلي من تقلبات أسعار النفط.

ويتنامى دور صناديق الثروة السيادية عالميا، وربما في غضون سنوات قليلة تصبح أكبر مصادر التمويل على المستوى الدولي. ففي تقرير عن صناديق الثروة السيادية إلى الكونجرس الأمريكي، توقع التقرير أن يصل حجم تلك الصناديق عام 2015 إلى 12 تريليون دولارا، نتيجة ارتفاع أسعار السلع التجارية مثل النفط وتزايد الفوائض التجارية للدول الناشئة. ولذلك ليس من المستغرب تصاعد القلق الدولي للدور المتزايد التي تلعبه هذه الصناديق على المستوى العالمي، بصفة خاصة فيما يتعلق بضعف الشفافية والخوف من احتمال استخدام تلك الصناديق لأغراض أخرى غير تجارية.

ونتيجة لتصاعد القلق الدولي من الدور المتزايد التي تلعبه صناديق الثروة السيادية فقد تم وضع مبادئ سنتياجو لصناديق الثروة السيادية لتعبر عن ممارسات وأهداف الاستثمار في صناديق الثروة السيادية وهي مبادئ طوعية يتبناها الأعضاء في مجموعة العمل الدولية لصناديق الثروة السيادية، والتي يطبقونها بالفعل أو يطمحون إلى تطبيقها، وتهدف مبادئ سنتياجو إلى إرساء هيكل شفاف وسليم للحوكمة يكفل الضوابط التشغيلية الملائمة وسلامة إدارة المخاطر والمساءلة؛ وضمان الالتزام بكافة متطلبات التنظيم والإفصاح المرعية في البلدان التي تستثمر فيها صناديق الثروة السيادية؛ والتأكد من أن استثمارات صناديق الثروة السيادية تراعي المخاطر الاقتصادية والمالية واعتبارات العائد؛ والمساعدة على الاحتفاظ بنظام مالي عالمي مستقر وبحرية تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات. ومن ثم تهدف هذه المبادئ إلى التأكد من أن الدول المستقبلة للاستثمارات لن تفرض على صناديق الثروة السيادية أي تدابير تمييزية لا يخضع لها المستثمرون الأجانب أو المحليون الآخرون في نفس الظروف، الأمر الذي يعزز دور هذه الصناديق في دعم استقرار الأسواق المالية، ويسهم في المحافظة على حرية تدفق الاستثمارات عبر الحدود.

ولتعزيز وضعها الدولي اتفقت الدول المالكة لصناديق الاستثمار السيادية على إنشاء مجموعة عمل دولية للصناديق الاستثمارية السيادية أعضاءها هي استراليا وأزربيحان والبحرين وبوتسوانا وكندا وشيلي والصين وغينيا الاستوائية وإيران وايرلندا وكوريا الجنوبية والكويت وليبيا والمكسيك ونيوزيلندا والنرويج وقطر وروسيا وسنغافورة وتيمور الشرقية وترينيداد وتوباجو والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، تمثل 23 دولة مالكة لهذه الصناديق، وفي اجتماع الكويت في ابريل 2009 تم بمقتضى "إعلان الكويت" إنشاء منتدى دائم يمثل مصالح هذه الدول يهدف إلى تبادل وجهات النظر والترويج للصناديق الاستثمارية السيادية، والفهم الأكبر لقواعد سنتياجو والأنشطة التي تقوم بها تلك الصناديق. كذلك سوف يساعد المنتدى الأعضاء على تبادل وجهات النظر حول أنشطة الصندوق الاستثمار السيادي، وإدارة المخاطر ونظم الاستثمار، والأوضاع المؤسساتية والسوقية التي تؤثر عمليات الاستثمار.

في مايو 2009 نشر معهد الصناديق السيادية الدولي آخر تحديث لترتيب لصناديق الثروة السيادية. ووفقا للمعهد فإن إجمالي استثمارات صناديق الثروة السيادية يصل إلى 3.652 تريليون دولار أمريكي تمثل استثمارات 36 دولة، وعلى رأسها الصين، حيث بلغت استثمارات صندوق الثروة السيادي الصيني 817.9 مليار دولارا، يليها الإمارات والتي تبلغ استثمارات صناديقها السيادية 738.5 مليار دولار، بينما تبلغ استثمارات صندوق الثروة السيادي للكويت 202.8 مليار دولار. وتشير البيانات إلى أن الدول العربية النفطية (دول مجلس التعاون بالإضافة إلى ليبيا والجزائر) تملك صناديق ثروة سيادية تبلغ استثماراتها 1.574 تريليون دولار أمريكي، أي بنسبة 43.1% من إجمالي رأس مال صناديق الثروة السيادية الدولية. وإذا ما استثنينا الصناديق التي تملكها ليبيا والجزائر فان إجمالي استثمارات صناديق الثروة السيادية التي تملكها دول مجلس التعاون يبلغ 1.462 تريليون دولارا، أي بنسبة 40% من إجمالي رأس مال صناديق الثروة السيادية في العالم. بهذا الشكل تصبح دول مجلس التعاون الخليجي اكبر مستثمر على المستوى الدولي في إطار صناديق الثروة السيادية والتي نمت بشكل واضح نتيجة الفوائض النفطية بصفة خاصة خلال الخمس سنوات الأخيرة.

جدول رقم (1) صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون (مليار دولار أمريكي)

حجم استثمارات الصندوق

الدولة المالكة للصندوق

$738.50

الإمارات العربية المتحدة

$436.30

المملكة العربية السعودية

$202.80

الكويت

$62.00

قطر

$14.00

البحرين

$8.20

عمان

$1,461.80

إجمالي دول مجلس التعاون

المصدر: http://www.swfinstitute.org/funds.php

جدول رقم (2) صناديق الثروة السيادية لباقي دول العالم (مليار دولار أمريكي)

حجم استثمارات الصندوق

الدولة المالكة للصندوق

حجم استثمارات الصندوق

الدولة المالكة للصندوق

$21.80

شيلي

$817.90

الصين

$11.90

إيران

$332.50

سنغافورة

$11.70

كندا

$326

النرويج

$10.80

أزربيجان

$219.9

روسيا

$9.40

نيجيريا

$65.00

ليبيا

$6.90

بوتسوانا

$47

الجزائر

$6.90

نيوزيلندا

$45.10

الوليات المتحدة الأمريكية

$4.20

تيمور الشرقية

$42.20

استراليا

$2.90

ترينيداد وتوباجو

$38

كازاخستان

$0.80

فنزويلا

$30

بروناي

$0.50

فيتنام

$28

فرنسا

$0.40

كيريباتي

$27

كوريا الجنوبية

$0.30

اندونيسيا

$25.90

ماليزيا

$0.30

موريتانيا

$22.80

أيرلندا

المصدر: http://www.swfinstitute.org/funds.php

هذه البيانات توضح تعاظم الدور الذي أصبحت تلعبه دول مجلس التعاون على صعيد التمويل الدولي. والواقع انه يمكن القول أنه في ضوء التوقعات المحتملة للفوائض النفطية، في أعقاب انتهاء الأزمة العالمية، فإن دول مجلس التعاون مرشحة لأن تكون مركزا هاما لتدوير الأموال على المستوى العالمي. هذا الحكم ينطبق بشكل أساسي على أربع دول من دول المجلس هي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر، أما بالنسبة للبحرين وعمان فان استفادتهما من الوفرة النفطية الأخيرة محدودة على صعيد بناء الأصول الاستثمارية الخارجية بسبب ضعف الانتاج النفطي لهاتين الدولتين.

من ناحية أخرى فإن هذه البيانات توضح أن دول مجلس التعاون، وبالرغم من الآثار السلبية التي تركتها الأزمة على الأصول الخارجية التي تمتلكها تلك الدول، ما زالت تتمتع بموقف خارجي قوي جدا، وأنه حتى في ظل أسوأ السيناريوهات المتوقعة للأزمة، فإن دول المجلس قادرة على التعامل مع أية آثار سلبية قد تحملها الأزمة في الأجلين القصير والمتوسط، ومن ثم يمكن القول بدرجة كبيرة من الثقة أن اقتصاديات دول مجلس التعاون تعد آمنة إلى حد كبير ضد أي مخاطر سلبية للازمة المالية العالمية على الأداء الاقتصادي الكلي.

غير انه تجدر الإشارة إلى أنه كان من الأفضل لدول مجلس التعاون أن تقوم بتوجيه هذه الاستثمارات داخليا، وليس خارجيا. فمن المؤكد أنه لو أحسن توجيه هذه الاستثمارات محليا، فان دول المجلس يمكن أن تصبح قوة اقتصادية ضاربة عالميا. فلا يوجد أي من الدول النامية الذي تتاح له مثل هذا القدر من الموارد. بمعنى آخر فإن تلك الصناديق تمثل فرصة نادرة لدول المجلس لكي تقلب كياناتها الاقتصادية رأسا على عقب، وتتحرر من قيد أحادية مصدر الدخل، وهو النفط، الذي هو إن آجلا أو عاجلا سوف ينضب.

تنمية القطاع غير النفطي في الاقتصاديات الوطنية لدول المجلس يجب أن يعطى الأولوية الأولى استنادا إلى تلك الفوائض، لكي يصبح المولد الرئيسي للدخل والملجأ الأول لتوظيف العمالة الوطنية. للأسف يمكن القول بأن أداء دول المجلس في مجال تنويع هياكلها الاقتصادية يعد محدودا جدا، على الرغم من نجاحها في إرساء بنى تحتية متطورة بمقاييس الدول النامية. لا بد وان تتخلص دول المجلس من القيد النفطي، فالأداء الضعيف للقطاع غير النفطي في فترات تراجع الإيرادات النفطية يعني أن الجهود التنموية التي بذلك فشلت في تحقيق استقلالية هذا القطاع وفصله عن القطاع النفطي بحيث ينطلق في نموه بعيدا عن هذا القطاع. ولا يمكن التحجج بأن ضيق الطاقة الاستيعابية لاقتصاديات دول مجلس التعاون يمثل قيدا على استخدام هذه الفوائض. في رأيي هذا خطأ كبير، فالطاقة الاستيعابية مفهوم ديناميكي، فكلما ازداد الاستثمار، ازدادت الطاقة الاستيعابية، بفعل نمو البنى التحتية للاستثمار. هناك المزيد من الجهود المطلوبة إذن لتحفيز عملية تنويع القاعدة الإنتاجية لدول المجلس، بحيث تعتمد أساسا على القطاع الخاص، في ظل سياسات تدعم القدرات التنافسية لأوضاع القطاعات الرائدة.

دول مجلس التعاون في حاجة إذن إلى انتفاضة استثمارية، يقابلها على نفس النمط مراجعة مكثفة لمناخ الاستثمار والأعمال بها، ومراجعة مكثفة لهيكل القوانين والإجراءات التي تحيط بهذا المناخ، والضرب بيد من الحديد على الفساد الإداري والقضاء على البيروقراطية، وتعظيم الشفافية في كافة القرارات والإجراءات الحكومية، وإعطاء المزيد من الحريات السياسية وذلك لتهيئة بيئة الأعمال بشكل أفضل وبدء انطلاقة تنموية جديدة هدفها الأساسي هو تعديل هياكلها الاقتصادية للتهيؤ بشكل أفضل لمواجهة ما يحمله المستقبل بالنسبة لها، وتخفف من اعتمادها الحالي على النفط ولرسم دور جديد لها في التقسيم الدولي للعمل وكسب مزايا تنافسية جديدة تقوم على قاعدة إنتاجية صلبة، مدعمة بأساس جيد من البحث والتطوير.

صناديق الثروة السيادية تمثل في رأيي الخيار الاستراتيجي الأول لدول مجلس التعاون في تحويل هياكلها الاقتصادية الحالية من هياكل تعتمد على مصدر أحادي للدخل إلى هياكل اقتصادية تتسم بالتنوع والاستقرار بصورة أكبر. لذا ينبغي أن تجرى الدراسات وترسم الخطط حول كيفية الاستفادة من هذه الصناديق بشكل أمثل، بدلا من استثماراها لدى الغير، ليكون هو المستفيد الأول منها، بينما نسمح لأوضاعنا الاقتصادية في التدهور بسبب عدم قدرتنا على الاستفادة من الفرص التي تتيحها مثل هذه الصناديق. إذن المرحلة التي تمر بها دول مجلس التعاون حاليا تعد مرحلة حرجة، وقد تمثل صناديق الثروة السيادية فرصة نادرة للتعامل مع الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها اقتصادياتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق