الخميس، أبريل 22، 2010

هل تشتعل الحرب التجارية بين أمريكا والصين3/5: هل تتحسن تنافسية أمريكا برفع اليوان

نشر في جريدة الاقتصادية السعودية
هل فعلا سيؤدي رفع قيمة اليوان إلى حل مشكلة اختلال الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين؟ أو هل سيؤدي تعديل قيمة اليوان إلى القضاء على الفوائض الضخمة التي تحققها الصين؟، الإجابة المباشرة على هذين السؤالين هي بالطبع لا! أقصى ما يمكن تصوره هو حدوث انخفاض محدود في الصادرات الصينية إلى أمريكا، إلا إذا كنا نتحدث عن حدوث ارتفاع كبير جدا في قيمة اليوان وهو أمر غير متصور حدوثه لا الآن ولا في الأجل المتوسط. معنى ذلك أن على الولايات المتحدة أن تقوم بدراسة أسباب انخفاض تنافسيتها التجارية بعيدا عن اليوان.




الفرض الأساسي التي يمكن أن تستند إليه الحرب التجارية هو أنه إذا تم فرض ضرائب جمركية انتقائية على الصادرات الصينية فان واردات أمريكا سوف تقل وسوف تقوم أمريكا بإنتاج بدائل وارداتها من الصين، ومن ثم تقلل من عجز ميزانها التجاري وترفع من معدلات التوظف للعمال الأمريكيين وتخفف من الضغوط في سوق العمل. في وجهة نظري أن هذا الفرض سطحي جدا ولا يقوم على أسس اقتصادية سليمة حيث أنه يتجاهل أبعاد المزايا النسبية التي تنشأ في ظل العولمة، ويتجاهل طبيعة المزايا التنافسية التي تملكها أمريكا بالفعل. إن قيام أمريكا بإنتاج بدائل وارداتها من الصين سوف يعني اضطرارها إلى إنتاج سلع تقليدية، لم تعد تنتجها أساسا، مثل التليفونات والتليفزيونات والمنسوجات.. الخ، غير أن العودة لمثل هذه الخطوط من الإنتاج التي انتقلت من أمريكا إلى الخارج لن يكون مجديا للولايات المتحدة، حيث حولت العولمة مفاهيم الإنتاج حول العالم، فالمنتجات لم تعد الآن ملكا لمن اخترعها أو ابتكر طرقا لتطويرها، وإنما هي ملك الأقدر على إنتاجها في أي بقعة في العالم بتكلفة أقل.



في ظل المزايا المكتسبة في التكاليف لبعض دول العالم، بصفة خاصة الصين، التي أصبحت مركز إنتاج الواردات الأمريكية، فإن الولايات المتحدة أصبحت غير مؤهلة حاليا من الناحية الاقتصادية لإنتاج بدائل وارداتها من الصين. الحقيقة الغائبة عن الإدارة الأمريكية هي أنه عندما تواجه الشركات الأمريكية المنتجة لوارداتها في الصين ارتفاعا في التكاليف بفعل رفع اليوان، فإنها لن تعود إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، وإنما سوف تبحث عن بقعة أخرى في العالم ارخص نسبيا من الصين، ربما في الهند أو فيتنام أو اندونيسيا أو بنجلاديش لتعيد نشر خطوط إنتاجها، ومن ثم إعادة تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة من هناك. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني ببساطة أن رفع اليوان لن يؤدي إلى انخفاض العجز التجاري الأمريكي من الناحية المطلقة بقدر ما سيؤدي إلى تحول العجز التجاري مع الصين إلى دول أخرى، وهذا هو أخشى ما تخشاه الصين، ولذلك في رأيي أنه في ظل حقيقة أن الصين تعيد استثمار فوائضها التجارية في الولايات المتحدة، فان أفضل سيناريو للعجز التجاري الأمريكي هو أن يكون مع الصين وليس مع أي دولة أخرى.



محافظ البنك المركزي الصيني زهاو زياوشوان Zhou Xiaochuan يتناول بالتحليل سياسات تحديد قيمة اليوان ومدى جدوى رفع عملات الدول المصدرة للولايات المتحدة على الميزان التجاري الأمريكي مشيرا إلى أن هناك 3 قضايا يساء فهمها حول سياسة قيمة اليوان، سوء الفهم الأول هو أن الصين تحتفظ باليوان منخفضا لكي تحافظ على تنافسية صادراتها إلى الخارج، و يرى أن الاعتقاد بذلك يمثل تسطيحا شديدا للأمور، حيث أن الصين تأخذ في الاعتبار عوامل عديدة عند تحديد سياسة معدل الصرف لليوان، ومن المؤكد ان تنافسية الصادرات الصينية هي أحد هذه العوامل، ولكن الصين تأخذ في اعتبارها أثر تغيير قيمة اليوان على أصولها الضخمة التي تمتلكها حاليا بالدولار الأمريكي، كما أن الصين تنظر بصورة أكبر للعلاقة بين الدولار واليورو، وهما العملتان اللتان تتم على أساسهما معظم التجارة العالمية، وأن سياسات معدل الصرف تحاول ان تحدث توازنا فيما بينهما. على سبيل المثال قامت الصين في 2008 بتثبيت اليوان بالدولار لتقدم بذلك دعما هاما للدولار عندما بلغ أدنى مستوى له في مقابل اليورو.



سوء الفهم الثاني مرتبط بافتراض أن رفع اليوان سوف يؤدي إلى تقليص الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، ويؤكد ان الدراسات التطبيقية لا تقدم أي دليل على احتمال حدوث انخفاض في صادرات الصين إلى الولايات المتحدة مع رفع قيمة اليوان، وتاريخ أمريكا التجاري ينفي احتمال حدوث ذلك. ففي عام 1985 كان معدل صرف الين الياباني للدولار الأمريكي هو 250 ينا لكل دولار والذي كان ينظر إليه في الولايات المتحدة أنه سبب العجز التجاري الكبير مع اليابان في ذلك الوقت نتيجة تقييم الين بأقل من قيمته الحقيقية، وبسبب الضغوط الأمريكية على اليابان تم رفع قيمة الين إلى الضعف تقريبا حتى أنه بحلول 1988 كان معدل صرف الين إلى الدولار هو 121 ينا للدولار، ولكن ما الذي ترتب على ذلك؟ ماذا حدث للصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة،؟ لقد تزايدت من 69 مليار دولارا في 1985 إلى 90 مليار دولارا في 1988. كذلك عندما قامت الصين برفع قيمة اليوان في يوليو 2005 بحوالي 21% استجابة لضغوط الرئيس بوش، ماذا حدث خلال الثلاثة أعوام اللاحقة؟ لقد تزايدت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بنسبة 40%، من 163 مليار دولارا إلى 233 مليار دولارا على التوالي. في كلتا الحالتين ترتب على رفع قيمة العملة الأجنبية بالنسبة للدولار قيام الأمريكيين بدفع أسعار أعلى للسلع التي يستوردونها من الخارج، وفي ذات الوقت استمر العجز التجاري في التصاعد.



أما سوء الفهم الثالث والمرتبط بافتراض أن تراكم الضغوط السياسية التي تقوم بها الولايات المتحدة سوف يؤدي إلى تغيير سياسة تقييم العملة الصينية، يرى المحافظ ان الضغوط على الرئيس أوباما نشأت أساسا بسبب تزايد القلق حول معدلات البطالة في الولايات المتحدة والتي صاحبت الأزمة، لكي يعلن ان الصين دولة متلاعبة بعملتها، وأشار إلى أن أي شخص لديه خبرة في التعامل مع الصين يعرف ان هذه الضجة لن تؤدي إلا إلى تأخير أي قرارات ستتخذها الصين لتعديل قيمة عملتها، فلا يوجد أي قائد صيني يود ان يوصف بأنه خضع للضغوط الخارجية فيما يتعلق بهذه القضية، وقد توقع المحللون أن الصين سوف تسمح مرة أخرى لليوان بالارتفاع بصورة تدريجية بالنسبة للدولار بدءا من منتصف هذا العام، إذا استمر الدولار في كسب المزيد من الأرض في مقابل اليورو، وعندما يحدث ذلك فان الصين سوف تحرر ربط اليوان بالدولار فورا، واختتم تحليله بقوله انه ينصح الساسة الأمريكان بأن يتحلوا بالحكمة وترك الأمور تسير على ما هي عليه بدون تدخل من جانبهم.



إذن على الرغم من تصاعد ضغوط الكونجرس على الرئيس الأمريكي لإعلان ان الصين دولة متلاعبة بعملتها جاء الرد الصيني حاسما وحازما، وهو أن الصين لن تغير من سياسة تحديد قيمة عملتها، ويأتي الرد الصيني من قناعتها بأن اليوان ليس مقيما بأقل من قيمته الحقيقية، وانه من الخطأ ان تقفز الحكومة الأمريكية إلى خلاصة أن الصين تتلاعب بعملتها لمجرد ان الصين تتمتع بفوائض تجارية ضخمة، وأنه من غير المقبول من جانب الصين أن تمارس الولايات المتحدة الضغط على اليوان وأن تهدد بفرض ضرائب جمركية عقابية على الصادرات الصينية نتيجة لذلك، وأنه لا ينبغي أن تدفع الصين الثمن لتعرض الولايات المتحدة للضغوط الاقتصادية المختلفة الناجمة عن الأزمة، فلم تكن الصين هي المسبب للأزمة المالية، ولم تكن الصين هي التي أقرضت مئات المليارات من الدولارات لأشخاص بدون عمل أو مساكن أو حتى آفاق جيدة للسداد، من فعل ذلك هو أمريكا ذاتها، وأنها وحدها هي التي يجب أن تتحمل تبعات ذلك.



والآن على افتراض ان الولايات المتحدة قررت المضي قدما في إعلان حربها التجارية على الصين، فمن سيكون الخاسر في هذه الحرب، هذا ما سوف نتناوله في الجزء الرابع من هذا المقال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق