الخميس، أبريل 29، 2010

هل تشتعل الحرب التجارية بين أمريكا والصين4/5: من هو المتضرر من الحرب

من هو المتضرر من الحرب التجارية إذا اشتعلت بين الدولتين؟ حقيقة الأمر أن الوضع الحالي للصين في غاية الحساسية ذلك أن طريقة تقييم اليوان أدت إلى رفع درجة سخونة الاقتصاد الصيني، الأمر الذي جعل الصين اليوم أكثر عرضة من أي وقت مضى لتوابع سياساتها الحمائية بحيث أصبح من الصعب جدا في الوقت الحالي على الحكومة الصينية ان تمس اليوان برفع قيمته لعدة أسباب أهمها انه سوف يؤدي إلى تراجع في صادراتها نظرا لتأثيره السلبي على تنافسيتها، من ناحية أخرى فان رفع قيمة اليوان بالنسبة للدولار سوف يترتب عليه انخفاض القيمة الحقيقية لاحتياطياتها الدولارية الضخمة وأصولها الخارجية المستثمرة في السندات الأمريكية بنفس نسبة الرفع لليوان. على سبيل المثال إذا تصورنا ان المواجهة قد ترتب عليها رفع قيمة اليوان بنسبة 20%، وهو الحد الأدنى لانخفاض قيمة اليوان بالنسبة للدولار، وفقا لمعهد بيترسون، فإن ذلك سوف يعني خسارة الصين لحوالي 500 مليار دولارا من أصولها الاحتياطية الدولارية في يوم واحد، وهو ما جمعته الصين خلال سنوات من الكد والتعب. من المؤكد أيضا أنه إذا تم رفع قيمة اليوان فإن الكثير من الصينيين سوف يفقدون وظائفهم نتيجة لأثر الرفع على الصادرات الصينية للعالم، وهناك بعض التقديرات التي تشير إلى أنه ربما تخسر الصين حوالي 5 مليون وظيفة، تضاف هذه الوظائف إلى حوالي 20 مليون وظيفة تم خسارتها بسبب الأزمة المالية.

في رد فعل يمثل تحديا للجانب الأمريكي أعلن وزير التجارة الصيني بأن الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر في حال اشتعلت الحرب التجارية بين الدولتين وقامت الولايات المتحدة بفرض ضرائب جمركية انتقائية على الصين، حيث سيصبح من المستحيل على الصين إلا تدرس الرد على الإجراءات الأمريكية من جانب واحد، صحيح ان الصين سوف تضار، ولكن المواطن الأمريكي والشركات الأمريكية العاملة في الصين هي التي ستخسر بصورة أكبر. فإذا ما قامت الولايات المتحدة بفرض ضرائب على الصين فان الشركات الأمريكية العاملة في الصين والمسئولة عن حوالي 60% من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة سوف تتعرض لإجراءات انتقامية من الجانب الصيني، وسوف تكون كبش الفداء في هذه الحرب، ومن ناحيتها أيضا دعت الصين الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات أن تمارس ضغوطا على إدارة الرئيس أوباما لوقف الاتجاهات الحمائية ضدها على أمل أن تتمكن تلك الشركات من تغيير رأي الإدارة الأمريكية والسماح بتدفقات التجارة بين الدولتين بدون إجراءات حمائية.

الصين أيضا يمكن أن ترد على الولايات المتحدة بتقليل مشترياتها من السندات الأمريكية، ولكن فاعلية هذا الخيار تعد محدودة، لان الصين في حاجة إلى استثمار فوائضها، وبما ان فوائضها دولارية أساسا فليس هناك خيار آخر أمامها سوى استثمار هذه الفوائض في أدوات الدين الأمريكية، فما الذي تستطيع الصين شراءه بتلك الفوائض الضخمة.

الصين ترفض الادعاء بأن انخفاض قيمة اليوان هو السبب في الخلل التجاري بين الدولتين وتحمل السياسات الأمريكية مسئولية هذا الخلل الشديد في الميزان التجاري وذلك بسبب استمرار إصرار الولايات المتحدة على فرض حظر على الصادرات الأمريكية عالية التقنية إلى الصين مثل الحواسيب العملاقة والأقمار الصناعية .. الخ. فمنذ حادثة "تيانانمن سكوير" في 1989، حيث قمعت السلطات الصينية مظاهرات الطلبة، قامت الولايات المتحدة بفرض بعض القيود على صادراتها إلى الصين ومنها المنتجات العالية التقنية، ومن وجهة النظر الصينية من الأفضل للولايات المتحدة ان تقوم بإرخاء القيود على هذه الصادرات للصين والتي من الممكن ان تشجع الصادرات الأمريكية إليها وتخفض من العجز التجاري بينهما، ولذلك ترى الصين أنه كان الأولى بالولايات المتحدة عندما تتحدث عن نظام تجاري حر أن تطبق مبادئ هذا النظام أولا على نفسها، وأنه إذا ما رغبت الولايات المتحدة ان تناقش قضية معدل الصرف للعملة الصينية فعليها ان تقوم بذلك في إطار نظام تجاري حر، أي في إطار ذلك النظام الذي يسمح للولايات المتحدة ان تبيع ما تشاء إلى الصين، وان تشتري الصين ما تشاء من الولايات المتحدة، وأن الميزان التجاري بين الدولتين غير متعادل بسبب السياسات الأمريكية وليس السياسات الصينية.

الصين تؤكد مرارا أن رفع قيمة اليوان أمر قادم لا محالة وأن هذا اليوم لن يكون قبل ان يتعافى الاقتصاد الصيني ويقف على قدميه مرة أخرى، حيث هناك مخاطر حقيقية لاحتمال حدوث تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال الساخنة إلى الصين مع أي إعلان لرفع قيمة اليوان، جانب كبير من هذه الأموال سيستهدف المضاربة على اليوان الصيني، وهو ما يستدعي إستراتيجية خاصة من قبل الصين للتعامل مع كيفية الرفع لتجنب هجمات صناديق المضاربة، وذلك ربما من خلال رفع اليوان سهوا وبدون مقدمات وعلى فترات أطول من الزمن لتضيع فيها فرصة تحقيق أرباح من المضاربة على اليوان، ولتجنب سوق النقد الأجنبي فيها للاضطرابات التي يمكن أن تحدثها التدفقات السريعة لأموال المضاربة على اليوان. من ناحية أخرى تدعي الصين أنها يجب أن تتأكد من ان حجم التجارة بينها وبين الدول الفقيرة مناسب ولن يتأثر برفع اليوان، لان هذه الدول هي الأكثر عرضة للتأثر بسبب رفع اليوان، وليس الولايات المتحدة أو أوروبا. المشكلة هي أن الولايات المتحدة لديها شكوك في درجة صدق الصين على الإقدام على اتخاذ هذه الخطوة من ناحية، وترى أن هذه الخطوة لا بد وأن تتخذ الآن، من ناحية أخرى.

لا أعتقد أن الحرب التجارية سوف يكون فيها طرف ما رابح على حساب الطرف الآخر فكلا الطرفان سوف يخسر بشكل صاف. وأعتقد ان التحرك الأمريكي من جانب واحد لبذل المساعي المناسبة للوصول إلى حل وسط مع الصين ربما يجنب الدولتين والعالم الكثير من الخسائر، وذلك عندما تتعقد الأوضاع ويخرج النظام عن نطاق السيطرة بما قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية في ظروف الأزمة، بصفة خاصة في آسيا حيث أصبحت التجارة البينية الآسيوية ترتكز أساسا على الصين. على الولايات المتحدة إذن التوصل إلى حل وسط مع الصين وإقناع الصين بأن من مصلحتها ان تقوم بالسماح لليوان بأن ترتفع قيمته وهي الخطوة التي يعتقد أنها سوف تشجع الاستهلاك في الصين وتعمل على خفض درجة اعتماد اقتصادها على المستهلكين الأمريكيين. فإذا فشلت المقاربات الثنائية، فإنه من الأفضل ان تتخلى الولايات المتحدة عن سياسة الضغط الثنائي على الصين، وان تلجأ إلى الآليات متعددة الأطراف من خلال المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو مجموعة العشرين لتحفيز الصين على رفع قيمة عملتها، فالحماية لا يجب أن تقابل بإجراءات حمائية، لأنها تعمق الاتجاه نحو انتشار الحماية التجارية في عالم يتخلص تدريجيا منها.

تنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الموضوع قد يبدو وكأنه قضية اقتصادية بحتة، إلا أن رائحة السياسة تفوح من بين ملفات القضية، فهناك خلفيات أخرى ساعدت في تحريك الملف التجاري مع الصين، على سبيل المثال هناك امتعاض من قبل الولايات المتحدة بسبب الموقف غير المتشدد للصين في فرض عقوبات أشد على إيران فيما يتعلق بملفها النووي، كذلك عارضت الصين المبادرات الأمريكية حول سياسة التغير المناخي، مما أثر بشكل كبير على الاجتماع الذي تم في كوبنهاجن. الصين إذن ليست كغيرها من الدول، فهي لا تسير في الحذاء الأمريكي، وهذا ما يغيظ صانع السياسة الأمريكي، وأعتقد أنه لو أبدت الصين بعض التنازل في مواقفها من القضايا الساخنة التي تهم الإدارة الأمريكية فان الحديث عن تقييم اليوان سوف تخف حدته بصورة كبيرة، الأمر يتطلب إذن بعض الدبلوماسية من الصين، وهي لا تعدمها. الاحتمال الأكبر هو ان تلجأ الحكومتان إلى الوسائل الدبلوماسية في التعامل مع القضية بصورة أكثر ليونة، وهو ما يعني ضمناً ان سياسة اليوان الرخيص سوف تستمر لفترة زمنية مقبلة في المستقبل.

وفي رأيي أنه على الرغم من التهديد الأمريكي بشن حرب تجارية على الصين إلا أن الأوراق الأميركية للتعامل مع السلاح التجاري الصيني ربما تبدو محدودة، وان جانبا من قواعد اللعبة يقع أيضا تحت سيطرة صانع السياسة الصيني، وأن الأمر ربما يقتضي قدرا أكبر من الليونة من قبل صانع السياسة الأمريكي في التعامل مع الصين التي أصبحت اليوم أكبر من ان يوجه إليها أوامر من حكومة أجنبية. ولكن ما هي الخلاصات التي يمكن استنباطها مما يحدث هذا هو موضوع الجزء الأخير من هذا المقال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق