الاثنين، أبريل 26، 2010

دولة المليارديرات الفقراء

بمناسبة الحديث عن زعيم زيمبابوي أعيد نشر مقال سابق كان قد نشر بعنوان دولة المليارديرات الفقراء على مدونة مذكرات اقتصادية.

التضخم الجامح Hyper-inflation هو حالة من التضخم الحاد الذي تأخذ فيه معدلات الزيادة في الأسعار في النمو بأكثر من 50% شهريا، أي ما يقارب الـ 1300% سنويا. وفي حالات التضخم الجامح الحادة تصل الزيادات في الأسعار إلى أرقام فلكية، بحيث تصبح النقود بلا قيمة، وربما تكون تكلفة الورق الذي تطبع عليه النقود اكبر بكثير من القيمة الاسمية المنصوص عليها على الورقة. ونظرا لذلك يتم تعديل فئات النقود من خلال إضافة أصفار إضافية على كل ورقة جديدة يتم طباعتها، فبدلا من أن تحمل الورقة قيمة دولار، تصبح 10000 دولار، ثم 100000 دولار، ثم مليون دولار، ثم بليون دولار، ثم 500 بليون دولار للورقة الواحدة، وهكذا. الشكل التالي يمثل ورقة بنصف تريليون دولار أصدرت في يوغوسلافيا أثناء التضخم الجامح (1992-1994).


لك أن تتخيل الآن ما هو إجمالي عرض النقود اذا كانت الوحدة النقدية تصدر بنصف تريليون، انه رقم يحتاج إلى أكثر من سطر لكتابته. في ظل هذه الأوضاع نواجه الحالة الكلاسيكية للتضخم الجامح الحاد، وهي طوفان من النقود يطارد كمية صغيرة جدا من السلع، فتأخذ الأسعار في الارتفاع بشكل فلكي.

زيمبابوي تعيش حاليا الحالة الكلاسيكية للتضخم الجامح، الحاد بما له من أبعاد اقتصادية خطيرة على الفرد والاقتصاد بشكل عام. السبب الأساسي للتضخم في زيمبابوي هو الأزمة الاقتصادية والسياسية الطاحنة، التي أعقبت انتخابات مارس 2008، وإعادة الانتخابات في يونيو من نفس العام. ببساطة روبرت موجابي، قرر الاستمرار في كرسي السلطة بأي ثمن، على طريقة أنا ومن ورائي الطوفان، مثل هتلر وميلوسوفيتش وصدام حسين.. وغيرهم ممن ذهبوا إلى مزبلة التاريخ. فمنذ إعلان نتائج انتخابات مارس 2008 والتي فازت فيها المعارضة، رفض موجابي النتائج، ودخلت البلاد في حالة من العنف والاضطرابات السياسية الحادة، وكان موجابي قد أعلن انه سيفعل أي شيء لكي يحكم سيطرته على البلاد، بما في ذلك اضطهاد وقتل أعضاء الحزب المعارض له حركة التغيير الديمقراطي. التضخم الجامح في زيمبابوي حول الشعب إلى فقراء وهاجر عدد كبير من السكان إلى المناطق المجاورة هربا من جحيم التضخم. وأصبح الشغل الشاغل للمواطن الزيمبابوي الآن هو كيف يدبر مسألة توفير طعام، أي طعام، على مائدته، في خضم هذا التورنادو السعري. يشير احد الصحفيين الأمريكان انه في 4 يوليو الماضي كان سعر البيرة في احد بارات هراري الساعة الخامسة مساءا يساوي 100 مليار دولار، وبعد ساعة واحدة ارتفع السعر إلى 150 مليارا (أنظر http://www.latimes.com/news/nationworld/world/la-fg-money14- 2008jul14,0,3947241.story)، أي أن الأسعار أصبحت تتغير الآن كل ساعة. من الواضح أن أعدادا متزايدة من السكان يتوقع أن تواجه الجوع، وتقدر منظمة الفاو بأن أعداد هؤلاء سوف تصل إلى 5 ملايين في السنة القادمة (ملحوظة: عدد سكان ريمبابوي حوالي 12 مليون نسمة، هاجر منهم حوالي 3 مليون نسمة. توقع العمر عند الميلاد للشخص في المتوسط 39 سنة، وهو أقل مستوى لتوقع العمر في العالم، بسبب ضعف مستوى الخدمات الصحية، وتقدر الـ CIA أعداد المصابين بالإيدز بحوالي 2 مليون شخص، يموت منهم حوالي 170,000 سنويا).

معدل التضخم الرسمي المعلن هذا الشهر هو 2,200,000% أي أعلى بـ 13 ضعفا من مستوى الأسعار في فبراير الماضي. في الوقت الذي يعتقد الكثير من الاقتصاديين أن المعدل أعلى من الضعف، أي ربما 5,000,000%، وربما يصل إلى 15,000,000%. وبالنسبة لبعض المواد الأساسية التي تباع في السوق السوداء، حيث بلغ معدل الارتفاع 70,000,000% للصابون، و 60,000,000% لزيت الطعام و36,000,000% للسكر. في ظل هذه الأوضاع يباع الزيت في زيمبابوي بالملعقة كمكيال، وليس باللتر. هل تتخيل الآن كم من ملايين الدولارات الزيمبابوية هي ثمن ملعقة من الزيت؟.

بعض الأسعار الرسمية للسلع الأساسية هي: كيلو السكر 10,000,000,000 (10 مليار) دولار زيمبابوي، رغيف الخبز 100,000,000,000 دولار زيمبابوي (100 مليار)، كيلو اللحم بـ 450,000,000,000 (450 مليار)دولار زيمبابوي، لتر الحليب 200,000,000,000 (200 مليار) دولار. غير أن أسعار السوق السوداء تفوق ذلك بمراحل. وبالنسبة للمواطن الزيمبابوي، هذه أسعار زمان، زمان جدا، هذا الأسبوع، سعر كيلو الدقيق في السوق السوداء 1,000,000,000,000(واحد تريليون) دولار، وسعر رغيف الخبز هو 250,000,000,000 دولار، وسعر الدجاجة المجمدة هو 250,000,000,000,000 (250 تريليون) دولار زيمبابوي.

إنها طاحونة أسعار، تطحن المواطنين، بصفة خاصة الفقراء منهم، والذين لم يعودوا قادرين حاليا على دفع تكاليف دفن موتاهم. وفي محاولة لتوفير السلع المدعمة أعلن الرئيس موجابي عن خطة لتوزيع السلع المدعمة والتي ستكلف الأسر المتوسطة 100,000,000,000 (100 مليار) دولارا زيمبابوي فقط شهريا. في الوقت الذي لم يعرف فيه كيف سيمول البنك المركزي تكاليف الدعم في الوقت الذي تنهار فيه الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات العامة.

وفي ظل هذه الأوضاع أغلقت الكثير من المصانع أبوابها، بينما تعمل المصانع المستمرة بطاقة أقل من 30%، وبعد أن كانت زيمبابوي مكتفية ذاتيا في بعض السلع الأساسية، أصبحت تستوردها من الخارج. التضخم الجامح إذن خرج عن نطاق السيطرة، وأصبح الاقتصاد على حافة الانهيار بسبب مشاكل العرض وعدم فاعلية سياسات الرقابة على الأسعار. وفي ضوء هذه الأرقام الفلكية للأسعار تحتاج إلى سيارة نقل لتنقل لك كمية النقود اللازمة لشراء رغيف من الخبز اذا كانت النقود من فئة 100 دولار، ولذلك اضطرت حكومة زيمبابوي إلى إعادة إصدار النقود بفئات أعلى، أي من خلال إضافة عدة أصفار إلى أرقامها السابقة، وأخيرا تم إصدار ورقة نقدية من فئة الـ 100 مليار دولار، كما هي في الشكل التالي:

كذلك يترتب على تلك الأسعار الفلكية نقص كمية النقود المتاحة عن توفير القوة الشرائية اللازمة لتمويل المعاملات، لذلك تزيد الضغوط على البنوك أثناء التضخم الجامح، مما يدفع الحكومة إلى تحديد حد أقصى على مسحوبات الأفراد من مودعاتهم في البنوك. وقد حدد بنك الاحتياطي الزيمبابوي الحد الأقصى للسحب اليومي من البنوك بـ 100 مليار دولار.



ما الذي يؤدي إلى هذه الارتفاعات الفلكية في الأسعار، الإجابة ببساطة هي طبع النقود، وتعديل فئات النقود من دولار مثلا إلى 100 مليار دولار للورقة الواحدة. في ظل هذه الظروف يبلغ معدل نمو عرض النقود أضعاف معدل النمو في الناتج فتكون النتيجة هو ما يعرف تقليديا عن التضخم الجامح (نقود كثيرة جدا تطارد سلع قليلة جدا). ولكن ما الذي يدفع الحكومة إلى هذا السلوك. منذ أعوام قليلة بلغ الدين الحكومي نسبة تفوق 100% من الناتج المحلي لزيمبابوي، ولتمويل الدين الحكومي (أقساط الدين + الفوائد) لجأت الحكومة، في ظل ضعف مواردها (الضرائب)، إلى طبع النقود لسداد تكاليف الدين الحكومي، فبدأت الأسعار في الارتفاع، ثم حدثت الأزمة السياسية التي أعقبت انتخابات مارس 2008، ودخلت البلاد في أزمة سياسية واقتصادية طاحنة ترتب عليها نقص كبير في المعروض من السلع الأساسية مما أدى إلى هذا التضخم الجامح. غير أن هذا النقص في العرض من السلع ازداد سوءا بسبب قوانين الرقابة على الأسعار، التي تثبت أسعار السلع، بالنسبة لمنتج تلك السلع لن يجد خيارا سوى إغلاق مصنعه بسبب الزيادة الفلكية في تكاليف الإنتاج، بينما لا تتغير الأسعار الرسمية للسلع بنفس المعدل، مما يعني أن الاستمرار في الإنتاج والبيع بالأسعار الرسمية سوف يعني تحقيق خسارة هائلة. في ظل هذه الأوضاع تتعقد مشكلة نقص عرض السلع ومن ثم تأخذ الأسعار في الارتفاع بمعدلات فلكية، ليس على شكل حلزون ولكن في صورة تورنادو، حيث ترتفع الأسعار كل ساعة.


التفسير النقودي للتضخم بسيط ومباشر، انه يقوم على أساس نظرية كمية النقود والتي تأخذ الصورة الآتية:


M V = P Q

حيث M هي كمية النقود، و V هي سرعة تداول النقود (متوسط عدد المرات التي يتم استخدام الوحدة النقدية فيها بين البائعين والمشترين خلال السنة)، و P هي الأسعار، و Q هي كميات السلع والخدمات المختلفة. وتفترض النظرية أن كل من سرعة التداول V و كمية السلع والخدمات Q ثابتة. وفي ظل هذه الفروض اذا زادت كمية النقود بنسبة ما فان الأسعار لا بد وأن ترتفع بنفس النسبة، أي أنه اذا زادت كمية النقود بـ 10%، فان الأسعار لا بد وأن ترتفع بنفس النسبة. معنى ذلك أن لجوء البنك المركزي في دولة ما إلى طبع كمية من النقود تزيد عن حاجة المجتمع لتمويل المعاملات المختلفة، سوفي يؤدي حتما إلى تضخم. فإذا ما كانت معدلات النمو في طبع النقود فلكية، فان البلاد لا محالة ستواجه حالة تضخم جامح.


المشكلة في زيمبابوي أن التضخم ليس ناجما عن جذب الطلب، فالقوة الشرائية للفرد المتوسط منعدمة تقريبا، حيث يعمل حاليا واحد من كل خمس أشخاص من قوة العمل، وإنما في العجز الكبير في العرض الناجم عن انخفاض مستويات الإنتاج بسبب الأزمة الاقتصادية، في ظل طوفان عرض النقود الذي تطبعه الحكومة لمواجهة تكاليف نفقاتها من خلال تطبع المزيد من النقود. وبالنسبة للـ 20% التي تعمل من قوة العمل فإنها تطالب برفع أجورها الاسمية بشكل شبه يومي، مما يعني وجود قوة شرائية تزيد عن العرض المحدود جدا من السلع بسبب الانهيار الاقتصادي.


ماذا يجب أن تفعل زيمبابوي، للأسف الخيارات المتاحة أمام زيمبابوي هي خيارات اقل ما يمكن أن توصف به أنها خيارات حادة، بنفس حدة معدلات التضخم التي تواجهها، زيمبابوي عدة خيارات هي:


مما لا شك فيه أن على موجابي وحزبه أن يرحلان ويتركا الحكم أولا، وإتاحة الفرصة أمام وجوه جديدة بأفكار ورؤى جديدة تساعد على إعادة بناء البلاد وتعيد للشعب الزيمبابوي دخوله الحقيقية التي أهدرتها نار التضخم.


الدولرة: أي إلغاء الدولار الزيمبابوي والتعامل بعملة تتسم بالاستقرار النقدي، مثل الدولار الأمريكي أو اليورو الأوروبي. ومن ثم إلغاء البنك المركزي الزيمبابوي والتخلي عن السياسات النقدية الوطنية، وترك تلك المهمة للبنك المركزي للدولة التي سيتم تبني عملتها.


إلغاء الدولار الزيمبابوي الحالي وإصدار عملة جديدة بفئات جديدة، بحيث يتم استبدال الدولار الحالي مع العملة الجديدة على أساس معدل تحويل ثابت، مع إتباع سياسات نقدية ومالية جديدة تضمن تحقيق الاستقرار النقدي المطلوب، فضلا عن تبني سياسات تشجع رأس المال المبادر وتحسن من بيئة الأعمال وتجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.


تحديث.


بالفعل قامت زيمبابوي بالغاء الدولار الزيمبابوي ولجأت الى الدولرة كحل لمشكلة التضخم الجامع ودخلت في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لرسم برنامج لاستقرارها الاقتصادي. العام الماضي تراجعت الاسعار على نحو كبير بسبب هذه الاجراءات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق