الجمعة، سبتمبر 30، 2011

كبح جماح الفرنك السويسري

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 30/11/2011
ذكرنا في الحلقة السابقة من هذا المقال أن الطلب الدولي على الفرنك السويسري تزايد بسبب الأداء الاستثنائي للاقتصاد السويسري خلال سنوات الأزمة، والذي جعل من الفرنك أحد الملاذات الآمنة للقيمة في العالم، في ظل تصاعد مستويات المخاطر المحيطة بالعملات الرئيسة، وخلو الساحة من عملات ممتازة يمكن أن يركن إليها المضاربون باعتبارها مخزن جيد للقيمة، ومن المعلوم أن البحث عن الملاذ الآمن يرتبط دائما بانخفاض درجة المخاطر المرتبطة به وتوافر السيولة اللازمة للمستثمرين في ظل ظروف عدم التأكد. فقد ترتب على تزايد المخاطر المحيطة بالدولار واليورو أن تحول المضاربون إلى عملات أخرى، على رأسها الفرنك السويسري، مما أدى إلى تزايد تدفقات رؤوس الأموال إلى سويسرا، كذلك ساهم ارتفاع المخاطر المصاحبة للاستثمار في الأصول المالية البديلة، وانتشار التوقعات التضخمية المصاحبة للسياسات النقدية التوسعية للكثير من دول العالم، في تغذية الطلب على الفرنك.

تجدر الإشارة إلى أنه من الناحية التاريخية كان الفرنك السويسري أحد العملات الجذابة للمستثمرين على المستوى الدولي في الأوقات التي ترتفع فيها درجة عدم التأكد، على سبيل المثال تزايد الطلب على الفرنك السويسري في السبعينيات من القرن الماضي مما دفع الحكومة السويسرية إلى استخدام معدلات الفائدة السالبة كوسيلة لمنع الأجانب من الإيداع في البنوك السويسرية.

أخذت قيمة الفرنك السويسري في الارتفاع مؤخرا على نحو مقلق مع تزايد الطلب عليه، حيث انخفض معدل صرف اليورو والدولار بالفرنك إلى مستويات قياسية، ففي 9 أغسطس الماضي انخفض معدل صرف الدولار إلى 0.71  فرنكا للدولار، وإلى 1.01 فرنكا لليورو. عندما يواجه اقتصاد صغير مثل الاقتصاد السويسري ارتفاعا في قيمة عملته فإن مخاطر ارتفاع قيمة العملة على تنافسية هذا الاقتصاد تتعمق، نظرا للمخاطر العديدة التي تتسبب عن ذلك بما فيها ارتفاع أسعار الصادرات وانخفاض أسعار الواردات، والضغوط (السالبة) التي تنتج على التضخم في أوقات الكساد.

مع ارتفاع قيمة الفرنك بدأت سويسرا تعاني من لعنة العملة المرتفعة القيمة حيث يؤدي الفرنك المرتفع إلى جعل السلع السويسرية أقل جاذبية لشركاء سويسرا في التجارة ويؤثر سلبا على قطاع السياحة. فقد تراجعت أرباح الشركات السويسرية، كذلك فقد تأثرت أعداد السائحين إلى سويسرا مع ارتفاع قيمة الفرنك، ومن ثم النشاط السياحي في الدولة وهو من الأنشطة الأساسية في سويسرا وتمثل الإيرادات السياحية جانبا هاما في الناتج المحلي، حيث ارتفعت تكلفة المعيشة بالنسبة للأجانب مع ارتفاع قيمة الفرنك، وهو ما دفع السلطات النقدية إلى اتخاذ بعض الإجراءات لتخفيف الضغط على العملة.

من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي السويسري تخفيض معدلات الفائدة على المودعات إلى مستويات صفرية، وسالبة في بعض الأحيان، في محاولة لخفض جاذبية الأصول السويسرية بالنسبة للأجانب ووقف تدفقات رؤوس الأموال إليها. بصفة خاصة عندما يتحول معدل الفائدة إلى مستويات سالبة فإن استمرار الطلب على الفرنك سوف يترتب عليه تحمل المحتفظين به لعبء متمثل في معدل الفائدة السالب، والذي سيمثل في هذه الحالة تراجعا في القيمة الاسمية للمودعات بالفرنك، وإذا ما تم تحديد معدل الفائدة السالب بصورة تفوق متوسط معدل الارتفاع في قيمة الفرنك، فإن ذلك يضمن تراجع الطلب على المودعات بالفرنك السويسري.

من ناحية أخرى قام البنك المركزي السويسري بضخ مزيد من السيولة في النظام المصرفي من خلال زيادة الودائع الجارية بصورة ضخمة جدا. كذلك كان البنك المركزي مترددا في التدخل المباشر في سوق النقد الأجنبي نظرا للخسائر الكبيرة التي مني بها سابقا ما بين مارس ويونيو 2010، ولكن في مواجهة استمرار صعود الفرنك قرر البنك المركزي السويسري شراء اليورو بكميات غير محددة بهدف حماية تنافسية الاقتصاد السويسري، على سبيل المثال في 10 أغسطس أعلن البنك المركزي السويسري عن زيادة عرض السيولة من الفرنكات السويسرية.

لما فشلت كافة المحاولات التي قام بها البنك المركزي لكبح جماح الفرنك في أسواق العملات، نظرا للطلب الضخم على الفرنك، لجأ البنك المركزي السويسري إلى تعديل سياسة معدل صرف الفرنك من سياسة معدل الصرف الحر إلى سياسة معدل الصرف الثابت، وذلك من خلال تثبيت الفرنك باليورو عند أرضية سعرية تساوي 1.2 فرنكا لليورو، وهو ما يعد أقسى الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي السويسري في تاريخه لكي يتحكم في ارتفاع قيمة الفرنك، بهدف تقليل الاهتمام بالمضاربة في الفرنك وتقليل جاذبيته كملاذ آمن.

يقصد بأرضية معدل الصرف السماح لمعدل الصرف أن يصل إلى أي مستوى أعلى من هذا المعدل (الأرضية)، وعندما تتزايد الضغوط على معدل الصرف للانخفاض عن هذا المعدل (ارتفاع قيمة الفرنك) فإن البنك المركزي يتدخل لرفع معدل الصرف (خفض قيمة الفرنك)، بحيث يكون أعلى من هذا المعدل أو عند مستواه. معنى ذلك أن معدل صرف اليورو يمكن ان يرتفع عن 1.2 فرنكا (خفض قيمة الفرنك)، ولكنه لا يجب ان ينخفض عن هذا الحد (رفع قيمة الفرنك). أي أنه من الناحية الفعلية قام البنك المركزي السويسري بتحديد حد اقصى لقيمة الفرنك بالنسبة لليورو لا يجب ان يتعداه، واذا مال معدل الصرف نحو الانخفاض في سوق النقد الأجنبي، فإن البنك المركزي السويسري يتدخل لدفع هذا المعدل نحو الارتفاع مستخدما أدواته المختلفة مثل شراء اليورو، وخفض معدلات الفائدة على الفرنك، وطبع المزيد منه.

لقد أعلن البنك المركزي السويسري عن أنه سوف يستخدم كافة الأدوات للحفاظ على هذا المعدل بما في ذلك التوسع غير المحدود في عرض النقود، كما أعلن عن الاشتراك في ترتيبات متبادلة في سوق النقد الأجنبي بهدف زيادة السيولة، وقد قام البنك المركزي بالبيع الآجل لكميات غير محددة من الفرنك السويسري بهدف الحفاظ على معدل التثبيت للفرنك عند الحدود التي تم تحديدها، وتجب الإشارة إلى أن هذه المرة ليست هي الأولى التي يقوم بها البنك المركزي السويسري بتثبيت معدل صرف الفرنك، فقد تم ذلك أيضا في عام 1978، غير ان التثبيت هذه المرة يحمل طابعا أكثر احترافية. فقد كان أثر التثبيت على معدل صرف الفرنك مزدوجا، فمن ناحية تم تثبيت معدل صرف الفرنك باليورو عند سعر منخفض، ومن ناحية أخرى أدى تراجع اليورو (عملة التثبيت) إلى مزيد من الخفض في قيمة الفرنك، والآن هل ينجح البنك المركزي السويسري في كبح جماح الفرنك أمام العملات الأخرى؟

الإجابة على هذه السؤال تعتمد على متغيرات عدة أهمها، المدى الزمني للتحليل، واتجاهات العائد على الأصول البديلة للفرنك، وتطورات الأزمة على المستوى العالمي، ففي المدى القصير ربما ينجح البنك المركزي في مسعاه حول تثبيت قيمة الفرنك، فطالما وقف البنك المركزي مستعدا لشراء اليورو عند أي كمية كلما تطلب الأمر وبالكميات المناسبة، كما أعلن، فإنه من الممكن الحفاظ على الحد الأعلى لقيمة الفرنك، ومن الناحية الفعلية يستطيع البنك المركزي السويسري القيام بذلك من خلال طباعة كميات إضافية من الفرنك، فمعدلات التضخم تقترب حاليا من الصفر تقريبا، مما يعني أن البنك المركزي يمكنه طباعة أي كميات منه وعلى النحو الذي يريد، ثم بيع هذه الكميات في سوق النقد الأجنبي لمواجهة أي محاولات لإدخال رؤوس أموال أجنبية إلى سويسرا، وبذلك يحاول البنك أن يزرع الشك في نفوس كل من يحاولون تغطية مخاطرهم من خلال الفرنك، بأنه ليس العملة المناسبة لذلك.

غير أن اتجاهات الفرنك على الأجل الطويل ربما تكون غير مضمونة وخارج نطاق سيطرة البنك المركزي، حيث سوف يعتمد الأمر في جانب كبير منه على اتجاهات الأزمة وتطورات مشكلة الديون الأوروبية، ومدى نجاح المستثمرين الدوليين في إيجاد أصول بديلة للفرنك كملاذ آمن، ومع تزايد ضغوط النمو في الولايات المتحدة وأوروبا، فإنه من الممكن ان تأخذ معدلات صرف الفرنك في الانخفاض وهو ما يرفع قيمته، ومن المؤكد أن فرص نجاح سياسة البنك المركزي بالتدخل سوف تعتمد على ضغوط الطلب على الفرنك، فإذا ما استمر الطلب مرتفعا ولفترة زمنية طويلة فإن التدخل يمكن أن يترتب عليه خسائر كبيرة تلحق بالبنك المركزي، وقد يضطر البنك في نقطة زمنية ما أن يخرج من السوق ويتوقف عن التدخل، بصفة خاصة عندما يأخذ اليورو في التراجع على نحو حاد.

المخاطر المحيطة بسياسات التثبيت على المدى الطويل تعتبر إذن كبيرة، بالنظر إلى صغر حجم الاقتصاد السويسري وعدم قدرته على تثبيت الأسواق المالية التي تهيم فيها تريليونات الدولارات بحثا عن معدلات العائد الأعلى، فمن الممكن أن تسهم عمليات التدخل عن ضخ كميات هائلة من الفرنك وبالتالي تحقيق البنك المركزي لخسائر ضخمة دون جدوى في سوق النقد الأجنبي.

من ناحية أخرى فإن أرضية معدل الصرف مع اليورو هدفها التأكد من أن الفرنك لن يتهدد مع محاولات المستثمرين الاستثمار في الأصول السويسرية كملاذ آمن في ظل ضعف العملات الرئيسة. غير أن أثر هذه السياسة على النطاق الدولي هي أنها تقلل من عدد الأصول التي يمكن ان ينظر إليها المستثمرون على أنها ملاذات آمنة، فبالإضافة إلى الدولار واليورو والين ربما نجد الدولارين الأسترالي والكندي، وكذلك الكورونة السويدية والنرويجية، مرشحة للعب دور في سلة الملاذات الآمنة للمستثمرين، وكما نرى فإن الدولار الأمريكي يقع تحت ضغوط شديدة منذ بداية الأزمة بعضها مرتبط بالنمو والآخر مرتبط  بسياسات النقود السهلة التي تتبعها الولايات المتحدة.

اليورو يعاني أيضا من نفس المشكلات وإن كانت ضغوط أزمة الدين تمثل تحديا هائلا له، كذلك فإن الين الياباني يواجه نفس السياسات التي تتبعها سويسرا للتأثير على قيمته بالانخفاض للحفاظ على تنافسية اليابان، يتبقى إذن أمام المستثمرين هذه العملات الثانوية، غير أن المشكلة هي أن الاقتصادات التي تتبعها هذه العملات تتشابه مع الاقتصاد السويسري في ضيق نطاق سوق الأصول على النحو الذي لا يمكن المستثمرين في كافة أنحاء العالم من القيام بالتنويع اللازم لهم.

وأخيرا فإن ضيق نطاق هذه الخيارات أمام المستثمرين على المستوى الدولي يسبب مشكلة إضافية للذهب، حيث لا يتسم سوق الذهب بهذه القيود التي تواجه الطلب على العملات البديلة، كما أنه ليس هناك أي سقف لسعره، والذي يمكن ان يبلغ عنان السماء، طالما أن ضغوط الطلب تدفع بسعر الذهب نحو الارتفاع، ومن الناحية العملية كان أداء الذهب هذا العام استثنائي حيث كسر العديد من الأرقام القياسية التي لم تتحقق من قبل، ومثل هذه الأوضاع تجعل الذهب في موقف لا يحسد عليه كأصل استثماري حيث ترتفع حدة المخاطر المحيطة به وتتزايد شدة التقلبات التي يتعرض لها ويتسع نطاقها، على سبيل المثال ما حدث هذا الشهر من تقلب سعر الذهب من أكثر من 1900 دولارا للأوقية إلى 1535 دولار في أدنى مستوى سجله سعر الذهب يوم الاثنين الماضي، أي أنه في غضون عدة أيام فقد الذهب عند هذا السعر حوالي 370 دولارا، وهو تطور خطير جدا يجعل من الذهب أخطر الأصول الاستثمارية على الإطلاق من وجهة نظري.

الخلاصة هي إن محاولات البنك المركزي السويسري كبح جماح الفرنك تتسبب في بعض الاختلال في سوق الأصول على المستوى العالمي، نظرا لضيق قاعدة الأصول التي ينظر إليها المستثمرون على المستوى الدولي على أنها أصول تعد ملاذا آمنا ضد تقلبات العملات وارتفاع مستويات التضخم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق