الثلاثاء، يناير 20، 2009

لقاء مع جريد الوطن حول العملة الخليجية الموحدة

نشر في جريدة الوطن بتاريخ الثلاثاء 20/1/2009
(http://www.alwatan.com.kw/Default.aspx?tabid=231&article_id=478123)


* هل الشارع الكويتي مهيأ للعملة الخليجية الموحدة؟

الشارع الكويتي يسمع عن العملة الخليجية الموحدة، وأن هناك خطط لإطلاقها، ولكن ما هي تبعات إطلاق العملة الخليجية الموحدة على المواطن، كيف يمكن أن تؤثر على مستوى معيشته، كيف تؤثر على مستويات دخله، هل هي أفضل من الدينار الكويتي كعملة... إلى آخر هذه الأسئلة فان القليل منا من يعلم الإجابة عنها. يفترض أن يصاحب عملية إطلاق العملة الموحدة حملات إعلامية مكثفة لرجل الشارع تشرح له الأبعاد المختلفة لمفهوم العملة الموحدة. بل إن بعض الدول في أوروبا قد أجرت استفتاءا بين الأفراد حول إلغاء عملتها المحلية والالتحاق باليورو، وقد رفض الشارع في بعض هذه الدول إلغاء العملة الوطنية والالتحاق باليورو ومن ثم أبقت تلك الدول على عملتها الوطنية ورفضت أن تنضم إلى العملة الموحدة. في المجمل يمكن القول بأن الشارع الكويتي غير مهيأ للعملة الخليجية الموحدة.

* هل المناخ الاقتصادي في الكويت حاليا مستعد لاستقبال العملة الموحدة؟

لا أعتقد ذلك، خصوصا في الوضع الحالي حيث يلف الاقتصاد واحدة من أعنف الأزمات التي مرت بها الكويت عبر تاريخها، بسبب الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على قطاعها المالي والاقتصاد المحلي بشكل عام. ولا أتصور انه يمكن إطلاق العملة الموحدة إذا استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه، حيث يفترض أن يتم إطلاق العملة في مناخ اقتصادي مستقر حني يستقبلها الاقتصاد بأقل تكاليف ممكنة. أما في ظل هذه الأوضاع فان إطلاق العملة الموحدة سوف يعمق من آثار الأزمة نظرا للمخاطر التي يمكن أن تكون مصاحبة لحالة عدم التأكد التي ستنشأ عن إطلاق عملة جديدة وإلغاء العملات الوطنية

* هل المسئولين في الدولة مهيئين وقادرين على تهيئة الناس؟

من المؤكد أن المتخصصين في الدولة المسئولين عن ملف العملة الخليجية الموحدة لديهم وعي كامل بالتزامات الكويت الناجمة عن الالتحاق بالعملة الموحدة، غير أن القدرة على تهيئة الناس سوف تحتاج بالتأكيد إلى حملات إعلامية مكثفة في كافة وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لتهيئة البيئة في الدولة لعملية إطلاق العملة الموحدة وشرح الأبعاد المختلفة لتلك العملة، وآثارها بالنسبة للتعاون بين دول المجلس. والواقع أن المسئولين عن ملف العملة الخليجية في الكويت قد يحتاجون إلى الاستعانة بالخبرة الأوروبية في عملية تهيئة الشارع لاستقبل عملة موحدة.

* ألا يحتاج الأمر إلى تكامل اقتصادي حقيقي وواقعي بين دول المجلس؟

أنا شخصيا لدي الكثير من التحفظ على إطلاق عملة موحدة في دول المجلس، حيث أرى انه في ظل الظروف الحالية وواقع التكامل الاقتصادي بين دول المجلس فان إطلاق عملة موحدة سوف يكون له من المساوئ أكثر من المنافع، خصوصا وان العملات الوطنية لدول المجلس جميعا بدون استثناء تتسم باستقرار كبير فضلا عن تمتعها بالقوة. أما بالنسبة للتكامل الاقتصادي وإطلاق العملة الموحدة، فان تبني الدول التي بينها اتفاقية للتكامل لعملة موحدة يحتاج إلى أن تكون تلك الدول قد بلغت مستويات متقدمة جدا في التكامل الاقتصادي فيما بينها على الأرض، بحيث يمكن التخلي عن سياساتها النقدية الوطنية واستبدال تلك السياسات بسياسة نقدية موحدة بين تلك الدول وكذلك إلغاء عملاتها الوطنية تبعا لذلك. من الناحية الواقعية ما زالت دول المجلس تراوح في مشروع الاتحاد الجمركي، والذي لم يكتمل بعد. بل إن المثير للدهشة أن تقبل دول المجلس على إطلاق ما يسمى بالسوق الخليجية المشتركة قبل اكتمال كيان الاتحاد الجمركي. من الواضح أن إطلاق مشروع السوق الخليجية المشتركة ليس له آثار حتى الآن على ارض الواقع، حتى يمكن أن نقول إن كيان التكامل في هذه المرحلة قد اكتمل وأصبحت دول المجلس من الناحية الاقتصادية مهيأة لإصدار العملة الموحدة. إذن ليس هناك تكامل اقتصادي حقيقي بين دول المجلس إلى الحد الذي يؤهلها لإطلاق عملة موحدة.

* ألا نستحق في البداية توسيع نطاق التجارة البينية بين دول المجلس؟

إطلاق عملة موحدة لتسهيل التجارة البينية بين دول التكتل هو احد الحجج الأساسية لإصدار مثل هذه العملة، حيث أن إطلاق تلك العملة سوف يؤدي إلى القضاء على ما يسمى بتكلفة المعاملات عند قيام تاجر ما في الكويت بتحويل الدينار الكويتي إلى الريال السعودي لاستيراد سلع من السعودية والعكس، أكثر من ذلك فانه بالنسبة لعقود الدفع الأجل يحتاج التاجر أو المستثمر إلى أن يدخل فيما يسمى بعقود تحوط للتغطية ضد مخاطر تقلبات معدلات الصرف الأجنبي بين العملات وقت إبرام العقود ووقت السداد الفعلي لها. كل هذه التكاليف سوف تزول في حال إطلاق عملة موحدة. وعلى ذلك عندما تقرر أوروبا إلغاء عملاتها الوطنية واستبدالها بعملة موحدة لأنها تتبادل فيما بينها ما يزيد عن 60% من تجارتها، فان الفائدة تكون واضحة جدا من إطلاق اليورو. بالنسبة لدول المجلس فان تجارتها البينية لا تتجاوز 6% على أفضل الأحوال (بما في ذلك النفط)، أي أن حوالي 95% من تجارة دول مجلس التعاون تتم مع دول أخرى وبعملات مختلفة، وهنا يثور التساؤل هل حسابات التكاليف والعائد المرتبطة بإلغاء العملات الوطنية تبرر إلغاء عملات قوية ومستقرة لاستبدالها بعملة موحدة يحيط بها الكثير من عوامل المخاطرة وعدم الاستقرار الكامن والناجم عن تقلبات مستويات النشاط الاقتصادي في هذه الدول كل على، من اجل تسهيل عملية تمويل هذا الجز البسيط جدا من التجارة الخارجية. معنى ذلك أن دول المجلس في حاجة إلى توسيع نطاق التجارة البينة فيما بينها أولا، وهذا يتطلب أساسا درجة اكبر من التنويع الاقتصادي لهياكل إنتاج تلك الدول حتى تجد ما تتبادله فيما بينها، ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل وخطط تنسيق على أعلى مستوى لمجموعة من المشروعات الإنتاجية المشتركة التي توفر احتياجات دول المجلس بأكبر قدر ممكن، ليس فقط في مجال السلع، وإنما أيضا في مجال الخدمات.

* ألا تحتاج دول المجلس إلى تنويع الهيكل الاقتصادي لها؟

من المؤكد أن، إطلاق عملة موحدة يقتضي درجة كبيرة من التنويع الاقتصادي بحيث يمكن التعامل مع الصدمات الاقتصادية اللا متماثلة بسهولة. والواقع أن فحص هيكل الصادرات لدول المجلس يشير إلى انخفاض درجة التنويع الاقتصادي بشكل واضح، حيث ترتفع نسبية الصادرات النفطية إلى إجمالي الصادرات، بينما تنخفض نسبة الصادرات غير النفطية إلى إجمالي الصادرات بشكل ملفت للنظر. ويعنى التركز الشديد لصادرات دول المجلس أن هذه الدول أكثر عرضة للصدمات الخارجية، في ظل هذا الوضع لن تفيد العملة الموحدة التكتل لان السياسة النقدية الموحدة لن تفيد تلك الدول على نحو فاعل، واستنادا إلى انخفاض درجة تنوع اقتصاديات دول المجلس فان دول المجلس لا تمثل حالة جيدة لإنشاء اتحاد نقدي.

* هل يعقل أن يتم إطلاق عملة موحدة بعد 3 سنوات من إنشاء سوق خليجي مشترك قبل أن يتم اكتمال الاتحاد الجمركي؟

لا طبعا، لا يعقل ذلك، ويفترض أن يكون هناك قدر اكبر من الصبر في عملية إطلاق مشروعات التكامل فيما بين دول المجلس. ذلك أن إعلان الاستمرار في خطط إطلاق العملة الموحدة في موعدها المحدد يعد بمثابة تبسيط شديد لمسألة في غاية التعقيد، وربما عدم إدراك لطبيعة المشكلات التي يمكن أن تترتب على إطلاق عملة موحدة بدون توافر أرضية ممهدة لإطلاقها، حيث أن أرضية التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون والتي يستند إليها في إطلاق عملة موحدة ليست متينة بالشكل الذي يبدو للعيان،وأن هناك الكثير من الخطوات التي لم تتخذ بعد في بناء التكامل الاقتصادي بين دول المجلس والتي ينبغي أن يوجه إليها اهتمام اكبر من مسألة إطلاق العملة الموحدة. فهل يعقل أن يتم إطلاق عملة موحدة بعد 3 سنوات فقط من إنشاء سوق خليجية مشتركة؟ وهل يعقل إنشاء سوق مشتركة قبل أن يتم اكتمال الاتحاد الجمركي وإرساء أوضاعه بشكل كامل؟، وهل يعقل أن يتم إطلاق 3 مشروعات كبرى للتكامل وهي الاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والعملة الموحدة على مدى زمني اقل من 10 سنوات. من الواضح أن دول المجلس تطلق مشاريع التعاون الواحد تلو الآخر دون أن تتأكد من اكتمال نجاحها أو توافر الشروط الأساسية اللازمة لإطلاقها، خصوصا من الناحية التشريعية. فهناك جهد تشريعي ضخم يجب أن يبذل من قبل دول المجلس في توحيد قوانين الشركات وقوانين العمل وقوانين التجارة وقوانين الضرائب وقوانين الاستثمار وقوانين التأمينات الاجتماعية وقوانين التأمين الصحي ... الخ، حتى يقال انه تم تهيئة الأرضية اللازمة للسوق المشتركة، ومن ثم إطلاق العملة الموحدة. إن خطورة مثل هذا الوضع تتمثل في انه مع إطلاق المزيد من المشروعات الناقصة في مجال التعاون، تتعقد طبيعة المشكلات التي تواجه كل مرحلة وتتضاعف، ربما بالشكل الذي قد يجعل عملية التغلب على العقبات المصاحبة لها مسألة معقدة وقد تؤثر بشكل سلبي على مسيرة التعاون برمته.

* هل ستكون العملة حلا وسطيا لتحقيق طموحات المجلس؟

لا أرى أن إطلاق عملة موحدة يحقق طموحات المجلس، ما يحقق طموحات المجلس هو المزيد من التكامل الإنتاجي والتجاري والمالي والاستثماري على ارض الواقع بحيث تحقق دول المجلس درجة عالية من الاكتفاء الذاتي يقلل من اعتمادها على الخارج إلى أدنى مستوى، ويعظم منافع عملية التبادل والاتحاد بين تلك الدول على مستوى الفرد والقطاعات المختلفة.

* ما الآلية التي سوف يتم العمل بها عند طرح العملة الموحدة؟

حتى الآن لم يتح لنا معلومات حول آليات العمل التي سيتم اتباعها عند إلغاء العملات الوطنية واستبدالها بعملة موحدة. ولكن المتعارف عليه انه سوف يتم إنشاء بنك مركزي خليجي، وقد تم إقرار ذلك، ولكن ربما هناك مزيد من النقاش حول مكان إنشاءه. سوف يتولى هذا البنك إصدار العملة الموحدة وتوزيعها على الدول الأعضاء وفقا لمعايير محدد، ربما تكون نصيب الدولة من الناتج المحلي لدول المجلس، أو نسبة التجارة الداخلية إلى إجمالي التجارة الداخلية في دول المجلس، أو عدد السكان، أو نصيب الفرد من الناتج... الخ. ثم يتولى البنك المركزي الخليجي إدارة أدوات السياسة النقدية الموحدة لمراقبة والتحكم في عرض الكمية المصدرة منها بحيث تتوافق مع مستويات النشاط الاقتصادي في دول المجلس.

* ما المنفعة من توحيد العملة الخليجية؟

الواقع أن إصدار عملة موحدة ناجحة له الكثير من الفوائد للأفراد والقطاعات واقتصاديات المجلس ككل. ومن هذه المنافع:

- زيادة تدفقات التجارة والاستثمار
إن الفائدة الأساسية من إنشاء عملة مشتركة، والتي تم التأكيد عليها في الكتابات الاقتصادية في مجال الاتحاد النقدي، هي أنها تسهل التجارة في كل من السلع والخدمات بين الدول الأعضاء، ومن ثم زيادة مستويات النمو في التكتل. حيث يترتب على اختلاف العملات المستخدمة ارتفاع تكلفة إجراء المعاملات، بصفة خاصة تكلفة الحصول على المعلومات الخاصة بالأسعار وغيرها من المعلومات، وتكاليف الفروق بين معدلات الصرف لشراء وبيع ذات العملة والتي تطلبها مؤسسات الوساطة في العملات، الأمر الذي يعمل على تثبيط مستويات التجارة البينية في السلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال، وقد توصلت الدراسات التطبيقية إلى أن الاتحاد النقدي يؤدي إلى زيادة مستويات التجارة البينية بين أعضاء الاتحاد. ويمكن تفسير التأثير المحتمل للعملة الموحدة على تدفقات التجارة المشتركة بين الدول الأعضاء بعدة طرق، الأولى تتمثل في تجنب تغطية مخاطر الصرف الأجنبي في حالة تعدد العملات داخل التكتل، ومن ثم فان تبني عملة موحدة سوف يساعد على تطوير مستويات التكامل النقدي الأمر الذي يدعم مستويات التجارة البينية في السلع والخدمات. من ناحية أخرى من المعلوم أن من الوظائف الأساسية للنقود أنها تسهل التجارة من خلال وظيفتيها الأساسيتين كوسيط للتبادل وكوحدة قياس، ويساعد إنشاء العملة الموحدة على تقليص تكاليف المعاملات للتجارة البينية الأمر الذي يقلل من آثار تقلبات معدل الصرف بين الدول الأعضاء وهو ما يساعد على تنمية مستويات التجارة البينية، وتمثل هذه الحجة نقطة الانطلاق في اختبار إمكانية نجاح العملة الخليجية الموحدة. فبدلا من استخدم 6 عملات بين دول مجلس التعاون لتسوية معاملاتها التجارية والمالية، سوف يتم استخدام عملة واحدة، ليس فقط في مجال الصفقات التجارية، وإنما أيضا في مجال تدفقات رأس المال، أي المرتبطة بتبادل الأدوات المالية.

كذلك تنخفض تكاليف المعاملات المرتبطة بمخاطر عدم التأكد (متابعة معدلات الصرف والتنبؤ بتقلباتها، تكاليف تحويل العملات، وتكاليف إدارة الاحتياطيات لأغراض التجارة البينية) في ظل الاتحاد النقدي، وهو ما يؤدي إلى خلق مناخ أعمال أكثر استقرارا. وينظر حاليا إلى تقلبات معدلات الصرف وارتفاع مخاطرها على أنها احد عوائق تدفقات التجارة ورؤوس الأموال. إذ تشير الدراسات التطبيقية إلى أن الدول التي تدخل كأعضاء في عملة موحدة يمكن أن تزيد حجم تجارتها البينية إلى 3 أضعاف أو أكثر. حيث ستكون فواتير التجارة بنفس العملة الموحدة. كما ترفع درجة شفافية الأسعار للسلع والخدمات. وكلما ارتفعت مستويات التجارة البينية كلما ازداد احتمال أن تكون أن ترتفع درجة الارتباط بين تقلبات مستويات الناتج في الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي.

ومن التفسيرات الأخرى لتأثير العملة الموحدة على تدفقات التجارة والاستثمار ومستويات الإنتاجية ما يسمى بالشفافية السعرية. ففي ظل غياب العملة الموحدة سوف تحاول الشركات تحميل المستهلكين بأكبر سعر ممكن في كل سوق محلي من أسواق الإقليم، بينما في ظل وجود العملة الموحدة، سوف تجبر الشركات على التحول نحو سعر موحدة للسلعة في كل الأسواق المحلية لمنطقة التكتل، ومن المعلوم أنه إذا لم تقم الشركات بذلك فان وجود فوارق في أسعار نفس السلعة داخل أسواق الإقليم سوف يدفع المستهلكين والشركات إلى عمل تحكيم Arbitrage في السلع نظرا لسهولة نقل السلع من سوق إلى آخر في ظل وجود السوق المشتركة والعملة الموحدة، وعلى ذلك ستميل الأسعار إلى أن تتوحد في كافة أسواق التكتل، وهكذا يؤدي عدم وجود تكاليف للمعاملات في الاتحاد النقدي إلى الحد من عمليات التمييز ألسعري بين الأسواق الوطنية، وبالنسبة للمستهلكين الذين يستعملون عملات متعددة يصبح من الصعب مقارنة الأسعار بين الأسواق الوطنية عندما تتعدد العملات المستخدمة من قبل الدول الأعضاء في التكتل، مما يتيح الفرصة للمنتجين المحليين لاحتكار الأسواق الوطنية. كما أنه بدون عملة موحدة ستظل الأسواق الوطنية للدول الأعضاء مجزأة Segmented، ومن ثم تصبح عملية شراء سلعة من دولة أخرى عملية مكلفة، وهو ما يمكن المنتجين المحليين من تبني سياسات تسعير قائمة على التمييز ألسعري الأمر الذي يحد من فوائد التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ومن المعلوم أن تقليص عمليات التمييز ألسعري يساعد على زيادة مستويات الرفاهية للمستهلكين، أكثر من ذلك ستميل الأسعار لان تكون تنافسية داخل الإقليم في ظل وجود عملة موحدة، حيث تصبح الشركات تحت ضغوط تنافسية اكبر، مما يشجع النمو السريع للإنتاجية والكفاءة في ظل المناخ التنافسي، وهكذا يتضح انه من الأرخص أن تتم عملية التجارة بين دول تتبنى عملة موحدة عن حالة وجود أكثر من عملة.

- زيادة مستويات النمو
تساعد العملة الموحدة على رفع مستويات النمو الاقتصادي في دول التكتل، حيث يؤدي غياب تقلبات العملات إلى إزالة العوائق نحو إعادة هيكلة الإنتاج والنمو، وكذلك تحسين الكفاءة في صناعات دول التكتل. فقبل إنشاء العملة الموحدة، سوف تحرص كل صناعة لها مستهلكين في دول التكتل على أن تمتلك تسهيلات في كافة الدول الأعضاء، كوسيلة للتحوط ضد تغيرات إيرادات المبيعات في تلك الدول نتيجة تغيرات أسعار عملاتها. كما لا تستطيع الشركات أن تصمم هياكلها، على أساس تحقيق أدنى تكاليف ممكنة عبر دول التكتل دون أن تواجه مخاطر تغيرات معدل الصرف. أما بعد إنشاء العملة الموحدة فان الشركات يمكنها أن تنشئ هياكلها الإنتاجية على أساس أقصى كفاءة ممكنة بتحقيق تحسين كبير في الإنتاجية، والذي يحول عدم وجود العملة الموحدة، أو مخاطر تقلبات معدل الصرف، دون تحقيقه.

- رفع كفاءة أسواق المال
يعد إنشاء العملة الموحدة أمرا مهما لأسواق المال في دول التكتل، حيث يؤدي ذلك إلى إلغاء الحواجز بين أسواق المال الوطنية عبر دول التكتل، وفي ظل غياب الاتحاد النقدي يميل المستثمرون المحليون إلى الاستثمار في المؤسسات المحلية عبر سوق المال المحلي. بينما في ظل الاتحاد النقدي سوف يسعى رأس المال إلى البحث عن أعلى الفرص لمستويات العائد على الاستثمارات في منطقة التكتل ككل. كما ستتمكن الشركات من تعبئة رؤوس الأموال من خلال كافة أسواق المال عبر دول التكتل للمشروعات ذات العوائد الأعلى، وليس من خلال سوق مال واحد. أكثر من ذلك فان الضغوط على إدارات الشركات لكي ترفع من مستويات أداءها سوف تتزايد، نظرا لتداول أدواتها المالية في كافة أسواق التكتل وليس في سوق واحد، مما يساعد على الحرص على رفع مستويات نمو الإنتاجية. ومثل هذا التأثير لا يمكن تحقيقه بدون عملة موحدة، بسبب صعوبة تغطية مخاطر تقلبات الصرف الأجنبي في الأجل الطويل، بصفة خاصة على عوائد الأسهم. كذلك يسمح الاتحاد النقدي بزيادة قدرة الشركات الخليجية على الاندماج أو الاستحواذ على شركات أخرى في مختلف دول المجلـس، الأمر الذي سيكون له آثار إيجابية على صعيد الاقتصاد الكلي والكفاءة الاقتصادية نتيجة الاستفادة من الوفورات الناجمة عن اقتصاديات الحجم.

كذلك يؤدي الاتحاد النقدي إلى تطوير أسواق المال في الاتحاد خاصة سوق السندات ويساعد على تطوير أسواق الأسهم ويؤثر فيها تأثيرا ملحوظا من حيث الحجم والعمق والسيولة نتيجة زيادة تدفقات رؤوس الأموال. ويؤدي إلى زيادة درجة اتساع وعمق الأسواق المالية حيث يتمكن المستثمرون من الحصول على الائتمان اللازم من كافة أسواق دول المجلس، وهكذا ترتفع كفاءة الخدمات المالية. إذ يصبح سوق رأس المال اكبر وأكثر سيولة عما هو الحال بالنسبة للأسواق الفردية. ويؤدي تعميق أسواق رؤوس الأموال إلى جعل تلك الدول أكثر جاذبية للأموال ليس فقط من دول الإقليم، ولكن أيضا من الدول خارج الإقليم. كذلك ستميل البنوك إلى أن تكون لديها محافظ عبر دول الإقليم، دون أن تأخذ في الاعتبار تقلبات معدلات الصرف بين عملات الدول الأعضاء. ومما لا شك فيه أن ارتفاع حجم أسواق المال سوف يتطلب مؤسسات مالية ذات كفاءة أعلى.

كذلك يؤدي الاتحاد النقدي إلى رفع كفاءة أسواق المال من خلال رفع مستويات المنافسة بين المؤسسات العاملة في مجال الخدمات المالية، مما ينعكس إيجابيا على الأسواق المالية لدول المجلس ويخفض من تكاليفها ويؤدي إلى تنويع خدماتها، وقد يؤدي كذلك إلى تشجيع الاندماج بين هذه المؤسسات على الصعيد الإقليمي للاستفادة من اقتصاديات الحجم

- دعم الاستقرار النقدي والمالي
حيث أن الالتزام بمعايير التقارب النقدي والمالي سيعزز من الشفافية والانضباط المالي على الصعيد الإقليمي، وينعكس إيجابا على الاستقرار النقدي والمالي في المنطقة، وهذه كلها عوامل مساعدة لجذب مزيد من الاستثمارات الوطنية والإقليمية والدولية إلى دول مجلس التعاون. كذلك يساعد الاتحاد النقدي على رفع درجة التنسيق بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بعملية صناعة السياسة الاقتصادية بين دول المجلس. كذلك تزيد العملة الموحدة من فعالية إدارة السياسة النقدية التي يمكن أن تكون ضعيفة في ظل البنوك المركزية الفردية للدول الأعضاء، حيث سيعهد بشئون إدارة هذه العملة إلى مؤسسة فوق قومية تتولى عملية الإصدار وتحديد معدلات الخصم (ومن ثم معدلات الفائدة) تحديد نسب الاحتياطي... الخ،.

- تخفيض تكاليف الإصدار النقدي
وذلك من خلال تركيز عملية إصدار العملة الموحدة في يد بنك مركزي واحد وإدارة نقدية واحدة، بدلا من إصدار ست عملات من خلال ست بنوك مركزية وست إدارات نقدية. ومما لا شك فيه أن ذلك الأمر سوف يمكن من الاستفادة من اقتصاديات الحجم وما يترتب عليها من وفورات في عملية إصدار النقود في دول مجلس التعاون.

- زيادة إمكانيات التعاون السياسي بين الدول الأعضاء.
إن إنشاء اتحاد نقدي يجعل مصالح الدول الأعضاء فيه مشتركة، وهو ما يؤدي إلى تشجيع مستويات التنسيق والتعاون السياسي بين الدول الأعضاء في الاتحاد حرصا على سلامة الأوضاع الاقتصادية والنقدية في تلك الدول. ويؤدي ارتفاع مستويات التعاون السياسي إلى الإسراع في خطى التكامل بين الدول الأعضاء مما يعظم العوائد الناجمة عن التكامل الاقتصادي.

* ما هي مضار العملة الموحدة على دول المنطقة؟

على الرغم من المزايا العديدة للعملة الموحدة على دول التكتل الذي يقرر إطلاقها، فان المخاطر المصاحبة لإطلاق عملة موحدة غير ناجحة كبيرة جدا، خصوصا على مستوى الاستقرار النقدي والاقتصادي في الدول، إذا ما تعرضت تلك العملة للاهتزازات أو لم تتم إدارة معدل صرفها بجدارة من قبل البنك المركزي الخليجي، مثل هذه الاهتزازات سوف تؤثر على مستويات استقرار الأسعار وقرارات المنتجين الخاصة بالاستثمار، وانتقال رؤوس الأموال بين دول المجلس، والتأثير على الاستثمارات البينية، فضلا عن التأثير على المستويات العامة للأسعار في دول المجلس في حالة الإخفاق في إدارة الإصدار من هذه العملة. ومن الناحية النظرية تشير الكتابات الاقتصادية في مجال الاتحاد النقدي إلى تعدد متطلبات الاتحاد النقدي بين متطلبات اقتصادية ومالية وأخرى سياسية في طبيعتها. وتتمثل أهم شروط منطقة العملة المثلى في تماثل الصدمات الاقتصادية الكلية، وحرية انتقال العناصر، والانفتاح الخارجي، والتنويع الاقتصادي، ومرونة الأجور الحقيقية، ووجود مؤسسات فوق قومية، وهو ما يعرف بنظرية منطقة العملة المثلى. إن تطبيق نظرية منطقة العملة المثلى على حالة دول مجلس التعاون، يشير إلى أن معظم الشروط لا تستوفيها دول المجلس، حيث أن حرية الحركة للعناصر، والتنوع السلعي، ومرونة الأجور والأسعار، ومستويات التجارة البينية ليست في صالح إنشاء اتحاد نقدي. وبما أن دول المجلس لا تستوفي شروط إنشاء منطقة العملة المثلى، فانه يفضل عدم المضي في الوقت الحالي في إطلاق العملة الموحدة.
إضافة إلى ذلك فان هناك اثرين هامشيين للعملة الموحدة هما فقدان جزء من السيادة الوطنية بسبب التخلي عن السيطرة على السلطة النقدية المحلية وسياسات أسعار الصرف. حيث يترتب على الاتحاد النقدي وإصدار العملة الموحدة تخلي الدول الأعضاء عن عملية تصميم وتنفيذ سياسات نقدية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الوطني، استجابة للتقلبات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد، في مقابل إتباع سياسات نقدية مركزية يتم تصميمها وتنفيذها لتتوافق مع مصلحة مجموع دول الاتحاد النقدي. ومن هنا تبدو أهمية التماثل في الصدمات الاقتصادية التي تواجهها الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي، حتى تكون السياسات المتبعة متسقة مع مصلحة الاقتصاديات الوطنية مع دول الاتحاد النقدي ككل. أما الأثر الثاني فيتمثل في خسارة في إيرادات للدولة الناجمة عن عملية إصدار عملاتها الوطنية حاليا، ويحدث ذلك نتيجة قصر عملية إصدار النقود على السلطة النقدية الإقليمية، غير انه من الممكن تعويض ذلك بشكل جزئي من خلال توزيع عوائد عملية الإصدار على الدول الأعضاء وفقا لمعايير محددة، وكذلك فقدان القدرة على إتباع سياسات نقدية توسعية خلال فترات هبوط أسعار النفط مع تحمل قدر ما من التضخم في سبيل زيادة الإيرادات العامة للدولة.

هناك تعليقان (2):