الجمعة، يونيو 11، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته 2/12: فقاعة المسيسبي

نشر في جريدة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 11/6/2010


 
فقاعة المسيسبي مثال آخر على نوع مختلف من الأزمات التي ارتكزت على الرغبة الحميمة في الثراء السريع المدفوع بادعاءات ليست قائمة على أساس من الواقع، أو ما يمكن أن نطلق عليه "ترويج الوهم"! ترويج الوهم خطة يمكن أن تنجح عندما نجد جمهورا لا يسأل نفسه عن مدى صحة ما يتم الترويج له، ربما لسبب بسيط هو أنه لا يرغب في أن يصدم بأن ما يتم الترويج له غير صحيح، فيندفع الجميع كالقطيع نحو الوهم، ليكتشفوا في النهاية أن نقطة المبتغى كانت ببساطة شديدة نوع من السراب. الشخص المسئول عن أزمة اليوم، أو على الأقل الذي قدم للعالم وأمام الكواليس على أنه المسئول الأول عنها، هو الاقتصادي الانجليزي "جون لو John Law"، والذي يعد أشهر شخص في تاريخ الأزمات المالية التي تعرض لها العالم قاطبة.

ولد "جون لو" في اسكتلندا لأسرة تعمل في مجال المال، حيث كان والده جواهرجيا في أدنبرة، وفي عام 1694 قبض على "جون لو" بتهمة القتل وحكم عليه بالسجن، إلا أنه بعد فترة قصيرة استطاع الهرب من السجن، ويشاع أن ذلك قد تم بمباركة رسمية، لينتقل بعد ذلك "جون لو" في المنفى عبر قارة أوروبا، ولكنه استطاع أن يكون ثروة كبيرة من عمليات القمار، حيث يشاع أنه كان يملك عقلا فذا يمكنه من إجراء العمليات الحسابية اللازمة لحساب أوراق اللعب ومن ثم الفوز بالمقامرات في ألعاب الورق.

كانت الحروب التي أشعلها لويس الرابع عشر قد تركت فرنسا مفلسة اقتصاديا وماليا، وهو ما أدى إلى تراجع الكميات المتداولة من النقود المعدنية، الأمر الذي أدى لاحقا إلى تقييد عملية سك المزيد منها، وعندما قدم "جون لو" نفسه لفرنسا كانت قد بدأت بالفعل في التوقف عن سداد دينها القائم، وبدأت قيمة العملة الفرنسية في التراجع، بسبب حالة عدم التأكد حول مستقبل الدولة. في ظل هذه الأجواء، سلمت فرنسا نفسها إلى "جون لو" لكي يقدم الحلول المناسبة لتلك المشكلات، فقد قام "فيليب دو أورليانز" الوصي على العرش في ذلك الوقت بتعيين "جون لو" في وظيفة المراقب العام للمالية الفرنسية، وبالفعل استطاع "جون لو" أن يأتي بفكرة تخلص المملكة من أعباء دينها العام. كان "جون لو" يعتقد أن العرض غير المستقر من الذهب والفضة هو السبب في تباطؤ الاقتصاد الفرنسي، وليس المشكلات الحقيقية التي تواجهها فرنسا، ومن ثم فإن المزيد من عرض النقود يمكن أن يشجع التجارة والنمو في فرنسا، وهي نفس الأفكار التي ترتكز عليها عمليات صناعة السياسة النقدية في عالم اليوم، وكان "جون لو" قد أصدر كتابا بعنوانMoney and Trade Considered ، وقد ضمنه مقترحا لكيفية إصدار النقود في صورة بنكنوت بدلا من النقود المعدنية، وذلك استنادا إلى أن النقود المعدنية غير مستقرة سواء من حيث الكم أو النوع، وأن إصدار النقود في صورة بنكنوت سوف يزيل القيود من على عاتق الاقتصاد.

في مايو 1716 تم منح "جون لو" حق إنشاء بنك أسمي "البنك الملكي Royal bank" برأس مال 6 مليون جنيها فرنسيا، كما منح الحق في إصدار الصكوك، والتي تم استخدامها بواسطة البنك لدفع النفقات الجارية للحكومة، وكانت هذه الصكوك قابلة للتحويل إلى ذهب، إذا أردا حاملها ذلك، مما هيأ القبول السريع لها، وقد تولى البنك استقبال المودعات في صورة عملات معدنية، ثم إصدار أوراق بنكنوت في مقابلها، وهي فكرة بدت غريبة في وقتها، غير أنها ستشكل لاحقا الأساس الذي ستقام عليها النظم النقدية في العالم أجمع. ساعد "جون لو" الحكومة الفرنسية في التحول نحو النقود الورقية، من خلال البنك الملكي، والذي طبق أفكار "جون لو" حول إصدار النقود الورقية، وكانت الآلية هي قبول الودائع بالعملات المعدنية، ثم إصدار أوراق بنكنوت تساوي في قيمتها العملات المعدنية يوم الإيداع، وعلى الرغم من أن البنك الملكي كان بنكا خاصا، إلا ان ثلاثة أرباع رأس ماله كان عبارة عن أذون وأوراق مقبولة من الحكومة.

مع تزايد رصيد الصكوك كانت هناك حاجة لدفع الفوائد عليها، وهو ما تم توفيره من الناحية العملية من خلال إنشاء شركة المسيسبي التي قام البنك الملكي بإنشائها، وعين "جون لو" مديرا عاما للشركة الجديدة، ومنحت الحكومة الفرنسية شركة المسيسبي صلاحيات تجارية واسعة أهمها حقها في البحث عن الذهب في صحراء ولاية لويزيانا، على الرغم من عدم وجود أي دلائل على وجود الذهب الذي ستتولى الشركة مهمة اكتشافه، فلم تعجز قريحة "جون لو" الفذة هذه عن البحث عن طريقة تمكن فرنسا من تسديد ديونها وذلك من خلال فتح الاكتتاب لبيع أسهم لشركة للتنقيب عن الذهب غير الموجود أصلا في لويزيانا في الولايات المتحدة، وبدأ "جون لو" في الترويج لهذا الوهم. للأسف لم يشأ أحد من المضاربين على أسهم شركة المسيسبي أن يسأل نفسه عن مدى صحة احتمال وجود هذا الذهب الذي تدعي الشركة أنها ستتولى اكتشافه، ربما لان الجميع لديه الرغبة في الاستفادة من فرصة ادعاء اكتشاف الذهب، ومن ثم لم يكلف أحدا نفسه عناء مناقشة ما إذا كان هذا الاحتمال صحيح أم لا.

تاريخ الأزمات المالية التي مرت على العالم يشير إلى انه عندما يلوح في الأفق احتمال تحقيق أرباح استثنائية فان المضاربين غالبا ما لا يقبلون مناقشة مدى صحة الاحتمال المناقض، ربما لأنهم من الناحية السيكولوجية يرغبون في ان يستمر هذا الاحتمال حتى ولو كان خاطئا. ففي عالم يصعب فيه الحصول على الثروة، فإن فرصة تحقيقها تعد نادرة في الحياة الإنسانية، وهي فرصة ربما لا نود أو لا نرغب في ان تفوتنا. المهم تم طرح أسهم الشركة للجمهور، غير أن إيرادات عمليات بيع أسهم شركة المسيسبي لم تذهب للبحث عن الذهب في صحراء لويزيانا الذي لم يتم اكتشافه حتى يومنا هذا، وإنما استخدم لسداد ديون الحكومة الفرنسية.

الذي حدث بعد ذلك هو ان كل جنيه استخدمته الحكومة في سداد الدين للجمهور كان يتم إعادة استخدامه مرة أخرى في تمويل شراء الأسهم، وهو ما ساعد على رفع أسعار الأسهم من الناحية الاسمية، ومن ثم تمكين الحكومة من إيجاد مصادر لتمويل عمليات إصدار صكوك جديدة، ولما كانت هذه الصكوك مغطاة بالذهب في البنك الملكي فإن العلاقة بين الرصيد المعدني (الذهب) وحجم هذه الصكوك أخذت في الاختلال، وأصبح الرصيد الذهبي محدودا جدا بالقياس إلى حجم الصكوك المصدرة، إنها نفس القصة التي تكررت مرارا وتكرارا لاحقا، وأسوأ أشكال تكرارها هو ما قامت به الحكومة الأمريكية في ظل نظام بريتون وودز بإصدار كميات هائلة من الدولار قياسا برصيدها الذهبي، لتبيع للعالم حلما زائفا "دولار مغطى بالذهب"، بينما لم يكن الأمر كذلك، الأمر الذي أدى لاحقا إلى انهيار النظام في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، ومن ثم تم فصل النقود عن الذهب بصفة نهائية.

في عام 1719 خرج "جون لو" بفكرة إعادة هيكلة الدين القوم الفرنسي من خلال شركة المسيسبي، وذلك عن طريق استبدال أسهم الشركة في مقابل صكوك الدين وضمان تحقيق أرباحا طائلة على هذه الأسهم، واستطاع "جون لو" أن يضخم من الثروة المتوقعة في لويزيانا من خلال خطة تسويقية محكمة، مما أدى إلى زيادة عمليات المضاربة على أسهم الشركة في 1719. ترتب على تزايد شعبية هذه الأسهم بين الجمهور تزايد الحاجة نحو طبع المزيد من البنكنوت، فعندما بدأت أسعار أسهم شركة المسيسبي في الارتفاع عني ذلك ضرورة أن يتم إصدار المزيد من البنكنوت لتمويل عمليات شراء هذه الأسهم، وقام البنك الملكي بإصدار كميات هائلة من البنكنوت كرد فعل لذلك ومن ثم بدأ التضخم يرتفع في فرنسا.

استطاع "جون لو" أن يكون احتياطيات ضخمة من خلال عمليات الإصدار للأسهم وكذلك تحقيق أرباح من خلال إدارة الاحتياجات المالية للحكومة. وفي ظل إدارة "جون لو" تم توسيع نطاق أعمال شركة المسيسبي لتشمل عمليات جمع الضرائب والاتجار خارج أوروبا، وفي عام 1720 أرسل أمير ”كونتي" صكوكه إلى البنك الملكي لتحويلها إلى نقود ذهبية، ويقال أن الأمير قد أرسل 3 عربات حملت بالذهب في مقابل صكوكه، إلا أن "فيليب دو أورليانز" قد تدخل لاحقا، بناء على طلب من "جون لو"، وأمر الأمير بإعادة الذهب مرة أخرى إلى البنك. غير أن الآخرين قد بدءوا في التفكير بأن الاحتفاظ بالذهب ربما يكون أفضل من الاحتفاظ بالصكوك، وفي محاولة زائفة لإقناع الجمهور بجدية نشاط الشركة، تم تجنيد كتيبة من المتسولين في باريس، وتم تسليحهم بالمعاول، كما لو أنهم في طريقهم إلى صحراء لويزيانا للبحث عن الذهب، غير أنه في غضون أسابيع عاد هؤلاء إلى أماكن عملهم مرة أخرى، مما أظهر حقيقة الموضوع على أنه عملية نصب رسمي على نطاق واسع، ولأن قيمة الأسهم كانت لا تعبر عن القيمة الفعلية لها، قام "جون لو" بتخفيض قيمة البنكنوت والأسهم إلى النصف، إلا أن قرار "جون لو" دفع الناس إلى موجة من البيع للأسهم، وهو ما أدى إلى تدهور الأسعار السوقية لها بشكل كبير.

لسوء حظ "جون لو" أن الجمهور كان يفضل أن تتم عمليات دفع الأرباح من خلال الذهب والفضة، حسبما اعتاد الناس وقتها، وخوفا منه على الرصيد الذهبي للبنك الملكي، ولمعرفته بأن القيام بذلك سوف يكشف غطاء البنكنوت الذي أصدره، توقف البنك الملكي عن صرف الصكوك بالعملات المعدنية، وانتهت القصة بصورة مأساوية للأسف، لتشكل مرة أخرى نفس الصورة التي ستنتهي بها كل أزمات العالم لاحقا، حيث انفجر بالون المسيسبي في أواخر عام 1720، ومثلما هو الحال في أي أزمة، لم يكن أمام الجميع الوقت الكافي للتقليل من خسائرهم، والنتيجة المعروفة هي الاندفاع كالقطيع نحو استبدال أوراق البنكنوت بالذهب. عندها اندفع الناس لتحويل الصكوك إلى معدن، كانت كمية النقود الورقية المصدرة عدة أضعاف الرصيد المعدني الفعلي في البنك الملكي، ومن شدة الازدحام فقد 15 شخصا أرواحهم نتيجة الاندفاع أمام البنك، وكما أعلن ريتشارد نيكسون الرئيس السابق للولايات المتحدة بعدها بمائتين وخمسين عاما تقريبا، أن الدولار لم يعد قابلا للتحويل إلى ذهب، أصبحت صكوك البنك الملكي غير قابلة للتحويل إلى ذهب، وتحول بالتالي أصحاب الملايين من مالكي هذه الصكوك إلى فقراء.

بقية القصة معروفة، حيث أفلس البنك الملكي في 1721، ومن ثم انخفضت أسعار الأسهم إلى الصفر، وتحولت الصكوك إلى نقود بلا قيمة، ودخل الاقتصاد الفرنسي في حالة كساد بعد الأزمة وفقد الكثير ثرواتهم، وبدلا من أن يلوم المضاربون أنفسهم بأن روح المضاربة الجشعة هي التي أدت بهم إلى هذا المصير، كان اللوم بكاملة يلقى على عاتق "جون لو"، الذي اضطر إلى أن يعود إلى المنفى مرة أخرى.

كان الموقف محرجا جدا للحكومة الفرنسية، وكان لا بد من البحث عن كبش للفداء لهذه القصة السخيفة، لكي يتم إلقاء اللوم عليه، وبالطبع لم يكن هناك أفضل من "جون لو"، غير أنه وبحماية من "فيليب دو اورليانز" خرج "جون لو" من فرنسا لكي يقضي أربع سنوات في بريطانيا مع منحه حماية من جريمة القتل التي ارتكبها سابقا، ثم ذهب بعد ذلك إلى روما وكوبنهاجين وفينيسيا حيث عاش حتى مات فقيرا في 1729. ومن المؤكد أن الحماية التي تمتع بها "جون لو" بعد ذلك بقية عمره كانت بمباركة من "فيليب دو أورليانز"، كمكافأة له على خدماته للمملكة.

انتهت أزمة بالون المسيسبي، غير أنه في الوقت الذي انفجر فيه البالون كان هناك بالونا آخر يتكون أيضا، ولكن في بريطانيا هذه المرة، وهو موضوع مقالنا القادم بإذن الله تعالى.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

هناك 4 تعليقات:

  1. الله يخليك لينا يا دكتور.
    الله لا يحرمنا من علمك.

    الآن بدأت أفهم أكثر وأكثر للفقاعات..."ترويج الوهم" هو مفتاح الفقاعات.

    قبل شهرين حدثت في البحرين فقاعة الاستثمار الوهمي. وخسر آلاف المواطنين كل ما يملكونه من مدخرات جمعوها طوال عمرهم في لمح البصر.
    والنكتة، أنهم سلموا أموالهم لشركات غير رسمية (وهمية) ولا يعرفون أسمها أو أسم مالكها، يتعاملون مع الوسيط على مبدأ الثقة العمياء.
    نعم كان الوسيط "يروج الوهم".

    سؤال دكتور،
    هل "ترويج الوهم" يتكرر في كل دوره اقتصادية بخلق قطاع او استثمار جديد، وهو مٌدبر ومخطط له مسبقاً، وليس صدفة.

    سلسلة عالم لا يتعلم من أزماته، شيقة، ونحن متلهفون إلى الأجزاء الأخرى.

    ردحذف
  2. مشكرو أخي عباس
    نعم في كل مرة هناك ترويح للوهم، ولكن الوهم يختلف من مرة لأخرى، فقد يكون الوهم نوعا من النصب، مثلما ذكرت أنت في قصة الاستثمار الوهمي في البحرين، وهذا امر مخالف للقانون ويعاقب عليه، وقد يكون الوهم هو الترويج لتوقعات محددة، يرغب المتعاملين في الاداة الاستثمارية أن يرونها، ولذلك يعملون ليل نهار بقصد أو بغير قصد للترويج للفكرة، فتتكون البالون، ومع المزيد من الضغظ نصل الى المستوى الحرج الذي عنده تنفجر في وجه الجميع، فيدركون بعد فوات الاوان حجم الوهم الحقيقي الذي كانوا يعيشون فيه أو يروجون له.
    تحيايتي

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمةاللة

    في عرضكم للمشكلة وتبيان أصول جذورها فقد شخصتكم المشكلة ويتحتم على الجميع المساعده في المشاركة لإيجاد الحلول إن لم تكن الشافية فلتكن على الأقل
    في سبيل النهوض بالتوعية وعدم الغفلة.
    لشخصكم الكريم جزيل الشكر والإمتنان لما في مقلاتكم من سكن لما يدور حولنا في العالم .

    ردحذف