الجمعة، يونيو 25، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته 4/12: فقاعة أسعار الأراضي في فلوريدا


نشر في جريدة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 25/6/2010.
كانت الولايات المتحدة في العشرينيات من القرن الماضي تعيش نفس حالة الرخاء التي كانت تتمتع بها أوروبا في القرن الثامن عشر، حيث ارتفعت معدلات التوظف وتحسنت ظروف العمل بصورة واضحة، وازدادت المدخرات لدى الأسر، وتكونت الثروات لدى الكثير من الأشخاص، وبدءا من 1920 بدأت حياة البذخ في أمريكا، وأخذت أسعار الأسهم في بورصة الاوراق المالية في الارتفاع على نحو سريع، وتحول الكثير من المستثمرين إلى أثرياء، وكان هناك اعتقادا سائدا بأن الرفاهية التي تعيشها الدولة سوف تستمر إلى ما لا نهاية، لذا شهد عقد العشرينيات أعظم فترات المضاربة في التاريخ الأمريكي، ولم ينته هذا العقد إلا بحدوث أزمتين متتاليتين مرتبطتين بفقاعتين، الأولى هي فقاعة أسعار العقارات في فلوريدا وهي موضوع حلقتنا اليوم، والثانية هي فقاعة سوق الأسهم في وول ستريت في نيويورك والتي أشعلت الكساد العالمي الكبير، والتي سوف نتناولها لاحقا بإذن الله.

بدأت القصة بتهافت المزارعين على شراء أراض في فلوريدا مدفوعين بطبيعة الجو الأدفأ في الشتاء في الولاية، ثم بدأ الهوس بأراضي فلوريدا ينتشر بمرور الوقت، وأخذ سعر هكتار الأرض في الارتفاع بصورة حادة حتى بلغ 1000 دولارا للهكتار الواحد (وهو مبلغ كبير في هذه الأيام)، وبدأت عمليات استصلاح الأراضي تتم على نحو واسع لتوفير الأراضي التي يطلبها المضاربون بشدة. من ناحية أخرى ازداد إقبال الأفراد على قضاء العطلات في فلوريدا حيث تحولت إلى واحدة من أكثر المناطق شعبية في الولايات المتحدة، وأصبحت المكان المفضل للأشخاص الذين يرغبون في قضاء عطلة الشتاء في المناطق الدافئة، ثم إلى ساحة للمتباهين في ذات الوقت بثرواتهم، وأخذ النشاط السياحي في التوسع في الولاية، وارتفعت مستويات النشاط الاقتصادي فيها تبعا لذلك. وبسرعة غير مسبوقة في الولايات المتحدة قامت فلوريدا بإنشاء مجتمعات للجولف، ومنتجعات للمتقاعدين، ومساكن لقضاء العطلات، وحمامات للسباحة، وانتشرت الشقق الفخمة في كل منطقة في الولاية تقريبا والتي تم تسويقها جميعها بنفس السرعة، وانتشرت الكازينوهات غير القانونية وحانات الشرب في ميامي، وبالطبع كانت المناطق القريبة من الشواطئ هي الأكثر تفضيلا، ودفع البالون أيضا فلوريدا إلى تطوير المزيد من الجسور والطرق والشوارع لكي تتماشى مع النمو في أنشطة سوق العقار، وأصبحت فلوريدا ملعبا للأثرياء والمشاهير، وساد في الولاية رواجا عظيما، وأصبح ينظر إليها على أنها مدينة فاضلة حقيقية على الأرض، باختصار كانت فلوريدا تحق شعبية واسعة جدا في الولايات المتحدة، لدرجة ان شراء أي عقار في الولاية كان يضمن تحول المشتري في غضون فترة قصيرة جدا إلى مليونير.

حتى هذه اللحظة كان من الممكن لأي شخص ان يستثمر في فلوريدا، حتى بدون أن يتوافر لديه الإمكانيات التمويلية الكافية، وأصبحت عملية ضخ رؤوس الأموال في سوق العقار في الولاية وقودا لعملية المضاربة على العقارات، لدرجة أنه في عام 1922 تحولت جريدة ميامي هيرالد إلى أكثر صحف العالم ثقلا، بسبب الإعلانات الكثيفة عن العقارات في فلوريدا. اخذ الناس في الشمال يسمعون عن أن أسعار العقارات تتضاعف ضعفين وثلاث أضعاف مسببة ما يعرف بأثر كرة الجليد، وبدأت الهجرة على نطاق واسع للولاية، وازدادت أعداد السكان فيها بصورة مستمرة، وهو ما أدى الى تصاعد الطلب على المساكن بصورة تتجاوز إمكانيات العرض المتاح منها، ساعد على ذلك توافر إمكانيات التمويل، لدرجة أنه في أوج هذه الفورة العقارية تحول كل شخص في الولاية تقريبا إما إلى مستثمر في العقار أو وكيل عقاري، وعلى الرغم من تصاعد أعداد الوكلاء العقاريين على نحو كبير، فقد كان هناك طلبا كافيا لإبقاء هؤلاء الوكلاء مشغولين. لم يتطلب الأمر وقتا طويلا لأخبار الولاية لكي تنتقل إلى باقي أطراف الولايات المتحدة، وأصبح الهم الشاغل لكل أمريكي هو أن يكون له حصة في ما يحدث في فلوريدا، وذلك لمضاعفة ثروته من خلال عقاراتها، من ناحية أخرى أخذ التهور يزداد بين الأمريكيين الأثرياء، والذين حرص كل شخص منهم على أن يتملك أفخم عقارا في الولاية.

يفترض أن يؤدي هذا الارتفاع غير الطبيعي في الأسعار إلى إبعاد الأفراد عن هذا المجال من مجالات الاستثمار، ولكن كما هو الحال في كافة الأزمات التي مرت على العالم، عندما يأخذ سعر أصل ما في التضاعف لضعفين أو ثلاثة أضعاف في غضون فترة زمنية قصيرة، فإن ذلك يكون مدعاة لجذب كافة أشكال المضاربين الذين يتوافدون إلى الساحة كالطيور العطشى على مياه النهر قبل الغروب، وبالطبع أخذت معهم رؤوس الأموال في التدفق إلى الولاية على نحو غير مسبوق، ومع تدفق رؤوس الأموال في سوق العقارات في الولاية أخذت فقاعة الأسعار في الانتفاخ. لسوء الحظ فإن قواعد اللعبة كانت وما زالت هي هي، عندما يقوم المضارب بضخ كمية كبيرة من النقود لشراء أصل أو سلعة، فإن عليه أن يقوم بأكثر من ذلك لكي يحقق أرباحا، وهو أن يحاول أن يدفع بالأسعار نحو الارتفاع بأي ثمن.

في ظل هذا المناخ أخذت الأسعار ترتفع على نحو فلكي، فقطعة الأرض التي يتم شراءها في بداية العام بـ 800 ألف دولار كانت تباع في نفس العام بأربعة ملايين دولارا، وكانت الأسعار منتفخة لدرجة أنه في عام 1926 كان يمكن شراء شقة بحوالي 4.5 مليون دولارا، وهو الثمن الذي كان يكفي لشراء بيتا فاخرا في ميامي. في ظل هذه الأسعار الخيالية لم يعد في قدرة المستثمرين الجدد الدخول إلى السوق، وبدأ المستثمرون القدامى في البيع، وانتشر الذعر، وكما هو الوضع في الحالات المماثلة توقفت الأسعار في سوق العقارات عن الارتفاع.

في عام 1925 أخذت الكتابات التشاؤمية عن عقارات الولاية تنتشر انتشار النار في الهشيم، على سبيل المثال حذرت مجلة فوربس من أن أسعار العقارات في فلوريدا ترتكز الآن على احتمال وجود عميل، وليس على القيمة الحقيقية للعقارات. مع هذا التصاعد الخرافي في الأسعار بدأ قلق المضاربين من تراجع معدلات العوائد، في صورة ارتفاع الأسعار، وهو ما ولد نوعا من الذعر نحو البيع، وكما هو الحال في مثل هذه الأزمة، لم يجد البائعون أي مشتر بسبب الأسعار القياسية للعقارات التي تتجاوز إمكانيات الجميع.

مع تراجع أعداد المشترين، أخذت الأسعار في التراجع، وفي غضون اشهر بدأت الفقاعة في الانفجار. هنا فقط أدرك المضاربون أن هناك حدودا للأسعار التي يمكن ان تصل إليها العقارات، ومن ثم بدأ يحدث انعكاس الاتجاه، من تكالب على الشراء إلى تكالب على البيع. لسوء الحظ أنه في ظل هذه الأسعار الفلكية للعقارات، كان هناك آلاف الطلبات للبيع، بينما لا يوجد مشترى واحد، حيث أصبح من الصعب وجود مشتر للعقارات، في ظل تلك المستويات الرهيبة للأسعار، وآيا كان الأمر فإن الأسعار في ظل هذه الأوضاع لا بد وأن تهوي على نحو مدوي، وذلك مع اتجاه المدينين نحو التخلص من عقاراتهم لتلافي الإفلاس، وفي اغلب الأحول لم يجد البائعون المشترين وانتشرت حالات الإفلاس بين المستثمرين بسبب القروض العقارية الضخمة على عاتقهم.

ساعد على انفجار الفقاعة في هذه الحالة هبوب إعصار وتسونامي في فلوريدا (على غير العادة في هذه المنطقة)، والذي أدى إلى تدمير العديد من المنازل وخلف خسائر حادة في الممتلكات، وأخذت الأسعار في الانهيار بصورة أكبر بعد ذلك مخلفة حالات الإفلاس والتوقف عن الدفع المعهودة في كل الأزمات، وتحولت الولاية إلى مكان مقفر مهجور ومنعزل عن باقي أنحاء أمريكا، لدرجة أنه عندما حدث الكساد العالمي الكبير في عام 1929 لم تتأثر فلوريدا بالأزمة مثلما تأثرت باقي أنحاء أمريكا، لأنها كانت بالفعل في ظروف اقتصادية سيئة للغاية قبل حدوث الأزمة.

انهيار الأسواق غالبا ما يأتي على نفس الصورة، بغض النظر عن نوع السلعة أو الأصل الذي يتم التعامل فيه، حيث دائما ما تعمل نفس العوامل النفسية البسيطة في المساعدة على حدوث الأزمة. إذ لم ينظر أي من الذين تورطوا في الأزمة إلى الوراء للإطلاع على الأمثلة التي يمدنا بها التاريخ، ولهذه الحماقة يتحول هؤلاء في النهاية إلى فقراء بعد وقوع الأزمة، فمن لا يتذكر الماضي عليه أن يتحمل التكاليف المصاحبة لتكراره. نفس هذه القصة تكررت بحذافيرها لاحقا عبر فترات زمنية كثيرة، وفي عديد من المناطق، آخرها ما حدث في دبي في العام الماضي، فقد كانت دبي تسير على نفس خطى فلوريدا العشرينيات، وتوافرت لها نفس الظروف من توقعات تفاؤلية باستمرار الارتفاع في أسعار عقارات دبي إلى ما لا نهاية، ورغبة حميمة في البناء بغض النظر عن التكلفة، مصحوبة بتوافر التمويل، وتدفق المستثمرين من كافة أنحاء العالم للاستفادة من الفرص التي تتيحها عقارات الإمارة، ونمو كبير في النشاط السياحي، حتى وقعت الأزمة المالية العالمية، فحدث ما نشهده اليوم في دبي. إنه بالفعل عالم لا يتعلم من أزماته.

الجدير بالذكر أنه في هذه الفترة كان يعيش في بوسطن أحد شياطين الاستثمار وهو تشارلز بونزي والذي أتى بخطة جهنمية، عرفت بعد ذلك بخطة بونزي والتي سوف تكون موضوعنا القادم إن شاء الله.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

هناك 4 تعليقات:

  1. شكراً دكتور
    دائماً انت مبدع

    هذا السيناريون الآن يتكرر في البحرين،
    وصلت أسعار الأراضي في منطقة السيف وهي احد أغلى المناطق الاستثمارية في البحرين، إلى مالبالغ خيالية.

    إلى درجة أن المستثمر عندما يشتري أرض وينشئ عليها عمارة سكنية، يحتاج إلى 150 إلى 200 سنة، حتى يحصول على قيمة الارض وحدها.

    والمشكلة ان الشركات تكلف شركات استشارية وبحثية، لاقامة دراسة جدوى اقتصادية، فتكون الدراسة جداً ايجابية، وانه خلال سنة واحد سيجنون الارباح.
    وفي النهاية اتضحت اكذوبة دراسات الجدوى. ومصداقية الشركات الاستشارية.

    شركات كويتية وسعودية تكبدت خسائر فادحة في البحرين، من ضمها شركة المشروعات الكبرى جراند التي تكبدت الان خسائر تراكمية تبلغ أكثر من 85 % من رأس المال.

    ردحذف
  2. شكرا استاذ عباس على التعليق والمعلومات المفيدة.

    ردحذف
  3. الى الدكتور محمد الموضوع لطيف وشيق طبعا شكرا على هذه المعلومات اللطيفة يبدو من ترقيم المقالات ان هناك عدد من المقالات الاخرى الا توجد طريقة توجهني للبحث عن هذه المقالات مع الشكر الجزيل

    ردحذف
  4. هناك مربع على اليسار للبحث داخل المدونة
    اكتب اسم الموضوع ستأتيك باقي المقالات

    ردحذف