الجمعة، فبراير 01، 2013

قبرص .. الخطر القادم في منطقة اليورو

تصاعدت نبرة الحديث بشكل مكثف في الأسابيع الأخيرة عن الجزيرة الأوروبية قبرص العضو في الاتحاد النقدي الأوروبي، وتناولت وكالات الأنباء في العالم وكذلك المحللون المخاطر الحالية التي تحيط بهذه الدويلة، التي أصبحت في رأي عديد من المراقبين تمثل مصدرا كامنا للمخاطر على الاتحاد النقدي الأوروبي، بل إن بعض المراقبين يؤكد أن هناك احتمالا أن تقوم قبرص بسحب نفسها من اليورو وإعادة عملتها مرة أخرى، والذي إن حدث، فإنه سيعد سابقة قابلة للتكرار من الأعضاء الآخرين الذين يواجهون مشكلات مديونية حادة في المنطقة.
قبرص دويلة صغيرة في الحجم لا يتجاوز عدد سكانها 1.1 مليون نسمة، وقد بلغ ناتجها القومي في 2011 نحو 23 مليار دولار، بينما بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج فيها نحو 26 ألف دولار، وهي بهذا الشكل تعد أصغر الاقتصادات في منطقة اليورو، حيث لا يتجاوز اقتصاد قبرص نسبة 0.2 في المائة فقط من الاقتصاد الأوروبي، أي أقل من 1 في المائة. هذا الحجم الصغير للاقتصاد القبرصي ربما يقلل من أهمية هذا العضو ويجعل من عملية الإنقاذ أمرا غير ملح بالنسبة لمنطقة اليورو، استنادا إلى أن سقوط قبرص لن يحدث تأثيرا يذكر في الاقتصاد الأوروبي، وهو اعتقاد خاطئ، فمع صغر حجم الجزيرة يؤكد المراقبون أن قبرص يمكن أن تؤدي إلى انطلاق أزمة مالية جديدة في منطقة اليورو، ومن الممكن أن يترتب على إفلاسها نشر الضغوط المالية عبر الدول الأخرى في منطقة اليورو.
قبرص تضاف اليوم إلى قائمة دول الـ PIIGS (البرتغال وإيطاليا وإيرلندا واليونان وإسبانيا) التي تعاني من اضطرابات مالية شديدة في صورة ارتفاع معدلات الديون السيادية على هذه الدول، التي تؤكد حقيقة أن عضوية اليورو من جانب بعض الأعضاء تمثل عبئا على الاتحاد النقدي لتوفير الأموال اللازمة لضمان الحفاظ على استمرار عضويتهم في العملة الموحدة، غير أنه من الواضح أنهم سيمثلون عبئا على المنطقة لفترة طويلة من الزمن.
بسبب مشكلاتها المالية قامت ''موديز'' أخيرا بخفض تصنيف قبرص على خلفية تزايد الديون السيئة للقطاع المصرفي في الدولة إلى Caa3، أي إلى تصنيف دولة على أعتاب الإفلاس، وقد قدرت ''موديز'' احتمال إفلاس قبرص بنسبة 50 في المائة، فمنذ نحو سنة ونصف لم تستطع قبرص أن تقترض من الأسواق الدولية، ولكن من المؤكد أن إفلاس قبرص سيدفعها إلى الخروج من منطقة اليورو، مفجرا أهم الأزمات التي يمكن أن تتعرض لها المنطقة منذ بداية الأزمة المالية العالمية.
لقد ترتب على حل مشكلة مديونية اليونان خلق مشكلة لقبرص، ذلك أن البنوك القبرصية كانت قد قدمت قروضا بشكل مكثف للحكومة اليونانية وكذلك لقطاع الأعمال اليوناني، وقد اقتضت عملية إعادة هيكلة الديون اليونانية تخفيض هذه الديون وإجبار دائني اليونان على التنازل عن جانب من ديونهم، مما ترتب عليه تآكل نسبة كبيرة من القروض القبرصية لليونان، وهو ما ولد مشكلة سيولة خطيرة للبنوك القبرصية، التي يقدر أنها تحتاج حاليا إلى نحو 13 مليار دولار أي ما يعادل أكثر من 50 في المائة تقريبا من الناتج المحلي لقبرص.
المشكلة أن نموذج أعمال بنوك قبرص يساعد على تشجيع عمليات التهرب الضريبي وغسل الأموال، ذلك أن جانبا كبيرا من المودعات الأجنبية في البنوك القبرصية يأتي من روسيا، فوفقا لبيانات البنك المركزي الروسي تم تحويل ما بين اثنين إلى ثمانية مليارات دولار كل ثلاثة أشهر إلى قبرص خلال السنوات الثلاث الماضية، التي ينظر إليها على أنها أموال تتم أساسا بغرض إعادة تدويرها، ويقدر حجم المودعات في البنوك القبرصية بنحو 90 مليار دولار، يملك الأجانب نحو نصفها، وإذا كان الوضع كذلك فلماذا يقوم الاتحاد الأوروبي بإنقاذ نظام مصرفي هذه هي خصائصه. لذلك نجد أن مقترحات عمليات التفاوض حول إنقاذ قبرص تنصب على أن يتم تحميل المودعين جانبا من الخسائر في عملية إعادة الهيكلة للبنوك القبرصية، وهو ما يعني ضمنا أن المودعين لن يحصلوا على مودعاتهم كافة، في عملية إعادة الهيكلة للنظام المصرفي. المشكلة الأساسية هي أن هذه المودعات ليست مؤمنا عليها في قبرص.
اتهام النظام المصرفي بغسل الأموال وتشجيع التهرب الضريبي قد يحول دون إجراء عملية إنقاذ ناعمة لهذا القطاع، فحتى اليوم ما زال الاتفاق حول إنقاذ قبرص بعيد المنال في ظل إصرار ألمانيا على ضرورة إدخال إجراءات صارمة من جانب قبرص للتخلص من عمليات غسل الأموال والتهرب الضريبي وكذلك قيام الدولة بتطبيق برنامج لخصخصة المشاريع المملوكة للحكومة كجزء من خطة معالجة الأزمة التي تمر بها الدولة. فقد اقترحت اللجنة الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وكذلك صندوق النقد الدولي أن تتبنى الحكومة عملية خصخصة مكثفة للمشاريع المملوكة للدولة للمساعدة في عملية تغطية أعباء ديونها التي ينظر إليها على أنها غير مستدامة على الإطلاق حاليا.
من جانبه أعلن الرئيس القبرصي الذي ينتمي إلى حزب ذي جذور اشتراكية أن بلاده لن تقبل بأي برنامج للخصخصة، كما نفى قيام النظام المصرفي بتسهيل عمليات غسل الأموال والتهرب الضريبي، وأكد أن قبرص تطبق المعايير الدولية في هذا المجال، وعلى أي حال فإن عملية إنقاذ قبرص إن تمت فلن يوقعها الرئيس الحالي، وإنما ستوقعها حكومة جديدة بعد الانتخابات المقبلة في شباط (فبراير)، فالرئيس الحالي لن يرشح نفسه في الانتخابات المقبلة، وربما تتغير الأوضاع نتيجة لذلك.
من الواضح حتى اليوم أن معالجة مشكلة قبرص لا تسير على النحو الذي سارت عليه عمليات الإنقاذ السابقة لدول مجموعة الـ PIGS (البرتغال وإيرلندا واليونان وإسبانيا)، حيث يبدو أن الاتحاد الأوروبي ليس متعجلا في معالجة المشكلة، ربما بسبب وضعية الاقتصاد القبرصي كاقتصاد صغير جدا في المنطقة، غير أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن عدم التوصل إلى اتفاق سيرسل رسالة سيئة للأسواق، وهو ما قد يعقد أوضاع المنطقة المعقدة أصلا.
قبرص تحتاج اليوم إلى مساندة مالية مثل تلك التي تم منحها إلى دول الـ PIGS، والمتطلبات المالية للإنقاذ في حالة قبرص منخفضة جدا بالمعايير الأوروبية وأقل بكثير من برامج الإنقاذ التي سبق أن وافق عليها الاتحاد الأوروبي، لقد كانت فاتورة الإنقاذ المقترحة في المفاوضات الأولى أن يتم منح قبرص 21 مليار دولار لخفض ديون الحكومة وضمان استقرار النظام المصرفي.
تنبغي الإشارة إلى أنه بنهاية 2012 كانت نسبة الديون السيادية لقبرص نحو 85 في المائة من ناتجها المحلي، وسيترتب على منح قبرص هذه الحزمة في صورة قروض رسمية رفع نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر 140 في المائة، ومع ذلك لا أعتقد أن الاتحاد الأوروبي سيعجز عن تدبير الأموال اللازمة لكي تقف تلك الدولة على قدميها مرة أخرى.
إن حجم المساعدات المالية التي تحتاجها قبرص كما هو واضح يعد صغيرا جدا بالمقارنة بمئات المليارات من الدولارات التي تم تقديمها لدول الـ PIGS، وليس هناك في رأيي سبب وجيه للتعنت مع قبرص لفتح باب جديد من المخاطر في الاتحاد النقدي بسبب عدة مليارات من الدولارات، فالخطر يكمن في أنه من الممكن أن يؤدي عدم تقديم هذه الأموال لإنقاذ قبرص إلى خسارة دول المنطقة أضعاف أضعافها، نتيجة للاضطراب المالي الذي يمكن أن ينتج عن إفلاس هذه الجزيرة الصغيرة، نحن بالفعل أمام وضع محير جدا ومثير للغرابة، وربما يرسل بإشارات سلبية حول كيفية معالجة الاتحاد الأوروبي لمشكلات أعمق مثل مشكلة إيطاليا أو إسبانيا عندما تتعقد أوضاعهما بصورة أكبر مما هو الحال اليوم.
لقد تم تأجيل عملية الإنقاذ لستة أشهر بسبب عدم الاتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حول مسار عملية الإنقاذ، ولذلك ما زال هناك حتى الآن اختلاف بين الأطراف المختلفة حول برنامج الإنقاذ، ولكن عملية إغاثة قبرص أصبحت تقلق العالم حاليا واقتصاد تلك الجزيرة الصغيرة يمكن أن يتحول إلى نقطة الضوء القادمة في أزمة الديون في منطقة اليورو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق