الأحد، فبراير 17، 2013

لحظة مينسكي Minsky moment


 

لطالما حذر هايمان مينسكي من مخاطر الأزمات المالية، ولكن أحدا لم يستمع إليه. بل إن مينسكي نفسه عاش كاقتصادي على الهامش طوال حياه المهنية، ومات أيضا على الهامش على الرغم من أهمية أعماله، دون أن يستمع أحد إليه، فقد عاش مينسكي كأستاذ في جامعة واشنطن/سانت لويس. ربما ساعد على ذلك صعوبة أعماله التي كتبها، فعلى الرغم من أهمية أفكاره إلا أنها ضمنها أعمالا توسع فيها في استخدام الرياضيات غير الضرورية والنماذج الصعبة، على القارئ العادي فكانت النتيجة أنه أنتج أعمالا هامة ولكنها غير مقروءة. غير أنه تنبأ بثلاثة من التسع أزمات المالية التي مر بها العالم.

عندما حدثت الأزمة المالية العالمية ادرك الكثير من الاقتصاديين في العالم أهمية الفرضية التي عاش لها مينسكي وهي فرضية "عدم الاستقرار المالي"، وأعلن الكثير من الاقتصاديين في العالم، بما فيهم بول كروجمان، أنهم كانوا يتمنوا لو قرأوا أعمال مينسكي من قبل.

مينسكي يركز على الرافعة المالية Leverage أو نسبة الديون إلى الأصول أو الدخل، فمن وجهة نظره تؤدي فترات الاستقرار المالي إلى المزيد من الرفع المالي وذلك بسبب تراجع مخاطر عدم قدرة المقترضين على سداد ديونهم، غير أن هذه الزيادة في الرفع المالي تؤدي إلى عدم الاستقرار الاقتصادي، أو بمعنى آخر تمهد الأرض للأزمات المالية والاقتصادية.

ربما يكون من الأنسب الإشارة إلى أهمية الديون في الاقتصاد، يقول كروجمان أن الديون ليست شيئا سيئا كما يعتقد البعض، وكثرة الديون لا تعني أن الاقتصاد سوف يكن افقر، على العكس ربما تؤدي زيادة الديون إلى زيادة مستوى النشاط، ذلك أن الدين الذي يحصل عليه طرف ما، هو أصل يملكه طرف آخر. غير أن هذه الفكرة تكون صحيحة اذا ما نظرنا إلى العالم كله، فالدول المدينة يقابلها دول دائنة.

هنا يفجر بول كروجمان مفاجأة للقارئ، حيث يدعي أن ما نسمعه عن تدهور الوضع المالي للولايات المتحدة وزيادة ديونها الخارجية غير صحيح أو مبالغ فيه، فكما ينظر للولايات الولايات المتحدة على أنها دولة مدينة، فإن للولايات المتحدة أصول واستثمارات أيضا في الخارج، وأن صافي الأصول الخارجية للولايات المتحدة (الفرق بين الديون التي عليها، والأصول التي تملكها في الخارج) ليس مرتفعا كما يرى البعض، إنه كما يدعي بول كروجمان لا يتجاوز 2.5 تريليون دولارا. يقول كروجمان، قد ينظر البعض إلى هذا الرقم على أنه ضخم، غير أنه لا يعتبر كذلك بالنسبة لاقتصاد ينتج سنويا ما يزيد عن 15 تريليون دولارا من السلع والخدمات.

لقد تزايدت ديون الولايات المتحدة بدءا من 1980، ولكن هذه الديون لم تؤدي إلى تعريض سلامة الولايات المتحدة للخطر حتى الأزمة الحالية، غير أنها أدت زيادة تعريض الولايات المتحدة للخطر عندما تحولت الأوضاع الاقتصادية على نحو سيئ. على المستوى المايكرو لقد حدث قدر كبير من الرفع المالي لملايين الأسر الأمريكية وارتفعت مستويات الديون إلى أصولهم ودخولهم. لم يحدث ذلك بالنسبة للأسر فقط، وإنما لقطاع الأعمال ولمعظم قطاعات الاقتصاد الأمريكي.

عندما ترتفع الرافعة المالية للقطاعات المختلفة، فإن الاقتصاد بأكمله يكون عرضه للأزمة عندما تتحول الأوضاع على نحو غير مناسب، حيث تؤدي ارتفاع مستويات الديون إلى جعل الاقتصاد اكثر عرضة لحلزون الديون debt spiral  (انظر مقالي في الاقتصادية عن الموضوع). ويؤدي إقبال المدينين على تخفيض الديون على عاتقهم إلى التخلص من بعض الأصول إلى زيادة حجم الديون التي تقع على عاتقهم، وليس العكس (وهذه هي فكرة ارفنج فيشر) التي سأتناولها بشكل مستقل.

الخلاصة هي أن لحظة مينسكي هي اللحظة التي يضطر فيها المقترضون الذين ارتفعت مستويات الديون على عاتقهم إلى بيع أصولهم الجيدة لسداد هذه الديون، وهو ما يؤدي إلى حدوث أزمة في أسواق المال نتيجة انخفاض أسعار الأصول بصورة حادة، وزيادة الطلب على الكاش، ويحدث اضطراب مالي يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية. هذا بالضبط ما حدث خلال الأزمة المالية الأخيرة.

 

 من خلاصة قراءتي في كتاب End this Depression Now للاقتصادي بول كروجمان.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق