السبت، يوليو 25، 2009

حقوق السحب الخاصة

حقوق السحب الخاصة عملة رسمية، أي ليس من حق المؤسسات الخاصة أو الأفراد الاحتفاظ بهذه العملة، وهو ما يميز هذه العملة عن عملات العالم الأخرى، ولذلك فان المتخصصين فقط هم الذين لديهم علم بوجود هذه العملة، وقد تم إصدارها لأول مرة عام 1969 لتوفير سيولة إضافية للدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي عندما لم تكف الاحتياطيات الدولية في ذلك الوقت من الذهب والدولار الأمريكي لمواجهة النمو في حجم التجارة العالمية فقرر العالم إنشاء أصول احتياطية دولية إضافية من خلال الصندوق. غير أن انهيار نظام الذهب في بداية السبعينيات وتحول العالم إلى أسعار الصرف المعومة ونمو أسواق المال العالمية جعل أهمية حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي دولي هامشية جدا. ولذلك توقف الصندوق عن إجراء أي تخصيص إضافي لوحدات حقوق السحب الخاصة بعد عام 1981. ويرتكز تحديد قيمة وحدات حقوق السحب الخاصة على سلة من أربعة عملات هي الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني، ولا تتحدد قيمة وحدات حقوق السحب الخاصة من خلال العرض والطلب في السوق لأنه لا يوجد لها سوق، وإنما يتم تحديدها على أساس سلة العملات الأربعة وهي حاليا حوالي 1.5 دولارا أمريكيا تقريبا، ويقتصر الاحتفاظ بحقوق السحب الخاصة على البنوك المركزية للدول الأعضاء.

وعندما يتم تخصيص حقوق السحب الخاصة للعضو، يفترض أن يحتفظ العضو بها، فإذا كانت محتفظات العضو من حقوق السحب الخاصة أكبر من المخصصات التراكمية للعضو فان صندوق النقد الدولي يدفع للعضو فائدة على هذا الفرق، أما إذا كان ما يحتفظ به العضو من حقوق السحب الخاصة اقل من الكمية التراكمية المخصصة له فانه يدفع فوائد للصندوق على الفرق. ويتم حساب معدل الفائدة من خلال متوسط موزون لمعدلات الفائدة على أدوات الدين لمدة 3 أشهر للعملات الأربع المستخدمة في تحديد قيمة حقوق السحب الخاصة، ويصل معدل الفائدة على حقوق السحب الخاصة حاليا 0.3%، وعندما يتم استخدام حقوق السحق الخاصة فان العضو يدفع رسوما ضئيلة لتغطية تكاليف العمليات من قبل إدارة وحدة حقوق السحب الخاصة، وهي حاليا حوالي %0.0001، وحتى هذه اللحظة كان الدور الذي تلعبه حقوق السحب الخاصة في المدفوعات الدولية هامشيا للغاية، حيث تم تخصيص حقوق السحب الخاصة من قبل صندوق النقد الدولي مرتين الأولى في 1970-1972 بحوالي 9.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة والثانية في 1979-1981 بحوالي 12.1 مليار وحدة حقوق سحب خاصة. معنى ذلك أن إجمالي تخصيصات حقوق السحب الخاصة حاليا هي 21.4 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل 33 مليار دولارا أمريكيا، وهي كمية ضئيلة للغاية قياسا إلى حجم السيولة الدولية.

في اجتماع مجموعة العشرين اقترح قادة تلك الدول في الاجتماع بان يقوم الصندوق بإصدار 250 مليار دولار في صورة وحدات حقوق سحب خاصة (أي حوالي 161.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة) لمساعدة دول العالم على الخروج من الأزمة المالية ولمساعدة دول العالم في توفير سيولة احتياطية إضافية، ومن ثم تسهيل مهمة معالجة اختلال موازين مدفوعات الدول الأعضاء، ومحاربة الضغوط الانكماشية الناجمة عن الأزمة المالية العالمية، وتبدو أهمية هذا القرار بصورة أوضح بالنسبة للدول الناشئة والدول ذات الدخل المحدود، والتي تأثرت بشكل اكبر من الأزمة. من ناحية أخرى فان الإصدار سوف يؤدي على الأجل الطويل إلى تقليل الحاجة إلى إتباع سياسات احتياطيات مكلفة لدول العالم. والتخصيص المقترح يمثل 74.13 من حصص الدول الأعضاء في الصندوق لذلك سوف تحصل كل دولة على تخصيص يساوي نفس النسبة من الحصص الحالية للأعضاء في الصندوق. وسوف يتم التصويت على التخصيص في 7 أغسطس القادم، وإذا ما حصل التخصيص على الأصوات اللازمة (85% من الأصوات) فان التخصيص سوف يبدأ من 28 أغسطس القادم.

التخصيص الجديد لحقوق السحب الخاصة يعد إذن جوهريا جدا، حيث يزيد عن أكثر من خمسة أضعاف التخصيصات التي تمت مسبقا من قبل الصندوق. ولكن ماذا تفعل الدول بمخصصاتها من حقوق السحب الخاصة. يتم التعامل في وحدات السحب الخاصة من خلال إدارة وحدات حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي، ويمكن للدول التي تم تخصيص حقوق السحب الخاصة لها بأن تحتفظ بها كجزء من احتياطياتها الدولية (لدى البنك المركزي)، أو يمكن استبدالها وحدات بالدولار أو اليورو أو أي عملة حرة أخرى، أو تستخدمها في تسوية أي معاملات مع صندوق النقد الدولي مثل دفع الفوائد على قروضها من الصندوق أو دفع أقساط قروضها أو استخدامها في تسديد أي زيادة في حصصها المستقبلية في رأس مال الصندوق، أو يمكن أن تقوم بالتنازل عن مخصصاتها لدولة أخرى من باب المساعدة، أو لصندوق النقد الدولي ليتولى تقديمها إلى الدول الأعضاء التي تحتاج إلى المساعدة، وفي جميع الأحوال يجب أن تتقدم الدولة إلى صندوق النقد الدولي لإعلامه برغبتها في الكيفية التي سوف يتم على أساسها استخدام حصتها. معنى ذلك أن هذا التخصيص الجديد سوف يوفر تسهيلات سيولة للدول التي تحتاج إليها، بصفة أساسية يشير الصندوق إلى أنه سوف يتم تخصيص 100 مليار دولارا من هذا الإصدار الجديد إلى الدول الناشئة، ومن بينها 20 مليار للدول ذات الدخل المنخفض. وبالنسبة لهذه المجموعة الأخيرة يمثل هذا التخصيص زيادة بحوالي 20% من الاحتياطيات الدولية، وهو ما يمثل زيادة جوهرية في مستويات السيولة لديها، وهو ما سوف يساعدها في التكيف مع أوضاع الأزمة. هذه الزيادة الجوهرية في محتفظات العالم من حقوق السحب الخاصة تعني أن السنوات القادمة سوف تشهد تطورا في الدور الذي تلعبه حقوق السحب الخاص على المستوى العالمي.

ووفقا لاتفاقية صندوق النقد الدولي فإن أساس تخصيص حقوق السحب الخاصة هو حصة الدولة في رأس مال الصندوق، ولذلك فان حصة الدولة في رأس مال الصندوق تعد مهمة جدا لأنها تحدد القوة التصويتية للدولة في قرارات الصندوق من جانب ومخصصاتها من إصدارات حقوق السحب الخاصة من جانب آخر. ويوضح الجدول رقم (1) أكبر عشر دول في صندوق النقد الدولي، وتعد المملكة العربية السعودية ثامن دول العالم من حيث القوة التصويتية في الصندوق. وعلى ذلك فان حصة المملكة العربية السعودية في رأس مال الصندوق هي 3.21%، ومن ثم فأن 3.21% من القوة التصويتية في الصندوق وكذلك 3.21% من مخصصات حقوق السحب الخاصة تملكها المملكة العربية السعودية .

جدول رقم (1) أكبر عشر دول في صندوق النقد الدولي

الترتيب

الدولة

عدد الأصوات

نسبة الأصوات

1

الولايات المتحدة

371,743

17.09

2

اليابان

133,378

6.12

3

ألمانا

130,332

5.98

4

فرنسا

107,635

4.94

5

المملكة المتحدة

107,635

4.94

6

الصين

81,151

3.72

7

ايطاليا

70,805

3.24

8

المملكة العربية السعودية

70,105

3.21

9

كندا

63,942

2.93

10

روسيا الاتحادية

59,704

2.73

المصدر: صندوق النقد الدولي.

وهناك بعض القلق من أن هذا التخصيص الجديد يمكن يؤدي إلى زيادة معدل التضخم عالميا، ولكن الصندوق يؤكد انه من خلال الإدارة الجيدة لهذا الإصدار يمكن تجنب هذه المخاطر، خصوصا وان التخصيص المزمع وهو 250 مليار دولار يمثل نسبة ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومن حجم الاحتياطيات على المستوى العالمي، وكذلك حجم التجارة العالمية. ويوضح الجدول التالي مخصصات دول مجلس التعاون من التخصيص الجديد لحقوق السحب الخاصة. هذا هو الأثر الأساسي لهذا التخصيص في الأجل القصير، أما في الأجل الطويل فان هذا التخصيص الجوهري سوف يؤدي إلى زيادة احتياطيات دول العالم بدون تكلفة لهذا المصدر المميز من الاحتياطيات الدولية.

جدول رقم (2) مخصصات دول مجلس التعاون من حقوق السحب الخاصة

الحصة في رأس

مال الصندوق %

الحصة في رأس مال لصندوق (مليون وحدة حقوق سحب خاصة)

التخصيص

(مليون دولار)

التخصيص (مليون وحدة حقوق سحب خاصة*)

الدولة

3.21

6,985.5

7767.6

5,178.40

المملكة العربية السعودية

0.64

1,381.1

1535.7

1,023.80

الكويت

0.28

611.7

680.25

453.5

الإمارات العربية المتحدة

0.12

263.8

293.4

195.6

قطر

0.09

194.0

215.7

143.8

عمان

0.007

135.0

150.15

100.1

البحرين

4.347

9,571.10

10642.8

7,095.20

الإجمالي

بالنسبة للكويت سوف يترتب على التخصيص تغيرا جوهريا في هيكل احتياطيات صندوق النقد الدولي، حيث لا تزيد حاليا حقوق السحب الخاصة في الاحتياطيات الرسمية عن 2 إلى 6 مليون وحدة حقوق سحب خاصة خلال الفترة من 2000 حتى 2008. التخصيص المقترح من حقوق السحب الخاصة سوف يضيف للكويت رصيدا ضخما من هذه الوحدات يزيد عن المليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل حوالي 1.6 مليار دولار أمريكي، اكبر تعامل سجلته احتياطيات دولة الكويت من حقوق السحب الخاصة كان في عام 1993 بحوالي 33 مليون دينار، ومن ثم فان التخصيص الجديد سيؤدي إلى زيادة جوهرية في احتياطيات بنك الكويت المركزي.

ولكن كيف يعمل سوق حقوق السحب الخاصة؟ حتى هذه اللحظة يعمل سوق حقوق السحب الخاصة على أساس اختياري، وذلك من خلال اتفاقيات بين صندوق النقد الدولي و13 من أعضاءه للتعاون مع الصندوق في بيع أو شراء حقوق السحب الخاصة، وهذه الاتفاقيات الاختيارية تشكل سوق حقوق السحب الخاصة، وفي حالة ما إذا رغب عضو ما في بيع حقوق السحب الخاصة ولم يجد الصندوق مشترين كافيين على أساس اختياري فان من حقه أن يلزم أعضاءه الذين يتسمون بموقف ميزان مدفوعات قوي بالشراء وتقديم العملة الحرة التي يرغب فيها البائع لوحدات حقوق السحب الخاصة وهو ما يسمى بآلية الإلزام أو التعيين Designation mechanism. وقد ساعد صغر الإصدار من حقوق السحب الخاصة في الماضي على نجاح مثل هذه الاتفاقيات الاختيارية.

وفي رأيي أنه ربما كان هذا النمط المؤسسي للسوق مناسبا في الماضي حيث كان الإصدار من حقوق السحب الخاصة محدودا، الآن من المؤكد أن الصندوق سوف يحتاج إلى البحث عن اطر أفضل لضمان سوق أكثر ديناميكية لحقوق السحب الخاصة، فربما لا تكفي اتفاقيات الشراء الاختياري لسوق يزيد عن 280 مليار دولار. ويسعى الصندوق حاليا إلى إنشاء اتفاقيات اختيارية جديدة وتوسيع نطاق الاتفاقيات الحالية لضمان زيادة التعامل في حقوق السحب الخاصة، ولتمكين الدول التي تحتاج إلى احتياطيات من الحصول على الكميات الكافية للوفاء باحتياجات ميزان مدفوعاتها بدون تأخير. وان كنت اعتقد أن مثل هذه الاتفاقيات غير كافية وقد تهدد جاذبية حقوق السحب الخاصة إذا ازداد الطلب على عمليات تحويلها ولم يتمكن الصندوق من توفير المشترى لهذه الحقوق في الوقت المناسب.

بهذا الإصدار يدشن صندوق النقد الدولي لحقبة جديدة لحقوق السحب الخاصة. نحن إذن على أبواب دور جديد تلعبه حقوق السحب الخاصة على المستوى العالمي، حيث من المتوقع أن تلعب دورا أكبر في هيكل احتياطيات دول العالم، خصوصا إذا ما قرر الصندوق تخصيص كميات إضافية منها في المستقبل. ولكن هل ستلعب حقوق السحب الخاصة الدور المأمول لها عالميا، والذي ألمحت إليه الصين أكثر من مرة. الإجابة لأسباب كثيرة هي لا. وذلك للقيود العديدة على حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي عالمي.



هناك 3 تعليقات:

  1. شكرا جزيلا على هذاالموضوع القيم جدا ,

    ردحذف
  2. اين تكمن منافع الصندوق في تخصيص هذه الحقوق, هل هناك عائدات عليها؟ وهل هذه الحقوق تمثل نوعا من الديون على الدول تتوجب السداد؟ وكيف يتم مبادلتها بالعملات الحرة هل تتم عن طريق التبادل المتكافئ ام تحويلها يتم عن طريق هوامش ربحية؟
    ارجو ان تفيدونا يرحمكم الله, فهذه الاجابات يمكن ان تنفعني في بحثي حول اثر المديونية على نمو الدول الريعية. احترامي

    ردحذف