الجمعة، أغسطس 23، 2013

وداعا مكتب البريد

خدمة نقل الرسائل البريدية التي تتم من خلال ما يسمى البريد العام حتى وقت قريب كانت تمثل جانبا أساسيا في حياتنا، حيث تؤدي خدمة حيوية جدا للسكان في أنحاء العالم كافة، ونظرا لأهمية هذه الخدمة العامة جرت العادة على أن تمنحها الحكومات وضعا احتكاريا، أي بأن تمنح امتياز تقديم هذه الخدمة لجهة واحدة في الدولة؛ ونظرا لأهمية هذه الخدمة، فدائما ما كانت الدولة هي التي تتولى القيام بها باعتبارها أحد الاحتكارات الأساسية لها، مثلها في ذلك مثل الخدمات العامة الأخرى كالسكك الحديدية والمياه والكهرباء...إلخ، ولعب مكتب البريد دورا مهما في حياتنا عبر سنين طويلة، فقبل اختراع الهاتف النقال والإنترنت كان معظم السكان في العالم ينتظرون ساعي البريد دائما بلهفة شديدة ليسلمهم الرسائل التي تحمل إليهم الأخبار أو الاتصالات المكتوبة من قبل الأصدقاء أو الأقارب أو من الحكومة، أو من جهات العمل أو المصارف، أو تحمل إليهم أخبارا أخرى سارة أو غير سارة، وهكذا كان البريد العام الوسيلة الأساسية لنقل الرسائل في العالم.
دائما ما تلعب التكنولوجيا دورا أساسيا في حياتنا، والتغير التكنولوجي يفرض تغيرات هيكلية على أنماط معيشتنا، وطبيعة السلع والخدمات التي نستهلكها؛ ونتيجة لذلك يتأثر كثير من القطاعات في الاقتصاد بالتغير التكنولوجي، فتنشأ منتجات جديدة وخدمات جديدة، وكذلك تندثر سلع وخدمات اعتاد الناس استخدامها فترات طويلة، باعتبارها لم تعد مناسبة في ظل التطورات التكنولوجية القائمة. مع الأسف الشديد ـــ كان البريد العام أحد ضحايا التطور التكنولوجي في العالم، فمع ابتكار وسائل الاتصال الحديثة مثل التلكس والفاكس والإنترنت وانتشار وسائل الاتصال المرتبطة به مثل البريد الإلكتروني، وانتشار برامج التواصل الاجتماعي مثل ''فيسبوك'' و''تويتر''، واختراع الهاتف النقال، وتحول طبيعة العمليات التي نقوم بها ونمط أدائها، مثل التسوق الإلكتروني، واتساع خدمات الاطلاع الإلكتروني مثل سهولة الوصول الإلكتروني إلى الحساب المصرفي وإمكانية الحصول على كشف الحساب المصرفي إلكترونيا.. إلى آخر هذه القائمة الطويلة من التغيرات التكنولوجية أصبح دور البريد العام ينحسر بشكل كبير في حياتنا.
من جانب آخر، ونظرا لتطور طبيعة قطاعات الأعمال في عالم اليوم لم يعد البريد الحكومي بعيوبه التقليدية، مثل طول الوقت اللازم لتوصيل الرسائل وتعقد إجراءات إرسالها، وارتفاع احتمال ضياع الرسائل، فضلا عن عدم القدرة على تتبع خط سير الرسالة من وقت إرسالها حتى تسلم المرسل إليه لها، مناسبا للاعتماد على هذه الخدمة، على سبيل المثال يأخذ بريد الدرجة الأولى نحو ثلاثة أيام لتوصيله إلى المرسل إليه في الولايات المتحدة؛ لذلك نشأت شركات متخصصة لتلبية هذه الحاجة إلى قطاع الأعمال وشريحة كبيرة من السكان في المجتمعات التي تسعى للحصول على خدمة بريدية معتمدة، بل أصبحت بعض هذه الشركات عابرة للقارات تملك تسهيلات نقل ضخمة في أنحاء العالم كافة بما في ذلك طائرات النقل الخاصة بها، مثل شركة دي إتش إل، وكما هي طبيعة القطاع الخاص، اتسمت خدمات هذه الشركات الجديدة بالسرعة والكفاءة العالية والأمان عبر أي منطقة في العالم، فضلا عن إمكانية التتبع الإلكتروني لخط سير الإرسالية البريدية لحظة بلحظة، وهي جميعها خصائص لا تملكها مكاتب البريد الحكومي.
بالطبع لا يمكن تقديم مثل هذه المزايا سوى في مقابل نفقات أعلى من تلك التي يفرضها مكتب البريد الحكومي، غير أن قطاع الأعمال عبر أنحاء العالم مستعد لتحملها في مقابل جودة وسرعة وكفاءة الخدمة، حيث لم يعد نموذج الأعمال الذي تتبناه مكاتب البريد الحكومية وطبيعة إجراءاتها يتناسب مع متطلبات قطاع الأعمال الحديث الذي تلعب السرعة والأمان فيه دورا حيويا. لسوء حظ البريد الحكومي أن الجانب الأكبر من عملاء البريد اليوم يبحثون عن الخدمة المعتمدة في توصيل الرسائل في الوقت المناسب والشركات المنافسة للبريد الحكومي تركز على هذه النقطة وتعمل على مدار الساعة، لتقديم هذه الخدمة في أي وقت ولأي بقعة، على العكس من مكتب البريد الحكومي الذي يعمل ساعات محددة في اليوم.
في مقابل هذه المنافسة الشرسة من الشركات الخاصة للبريد الحكومي، لم تعمل مؤسسات البريد العام على تطوير نفسها وتحديث خدماتها بحيث تكون قادرة على تقديم خدمة منافسة لشركات النقل البريدي الخاص، ومع أن البريد العام وجد نفسه يتراجع بشكل واضح أمام المنافسين إلا أنه لم يحاول أن يتطور أو أن يبتكر أو أن ينافس ليضمن استمرار الطلب على الخدمات التي يؤديها، ببساطة شديدة لأن الحافز على الابتكار غير متوافر في مثل هذه المكاتب الحكومية، ونتيجة لذلك أصبح مكتب البريد الحكومي مستودع الرسائل التي لا يريدها أحد، على سبيل المثال، أصبح البريد الحكومي اليوم وسيلة إرسال الكتالوجات المجانية، وكروت المعايدة، والإعلانات الدورية، وبالطبع الرسائل الحكومية.
يوما عن يوم تزداد درجة استغنائنا عن خدمة البريد العام، بل إن هناك قطاعات كبيرة من الناس حاليا لم تعد تستعمل هذه الخدمة لا من قريب أو بعيد، وبعد أن كان مكتب البريد العام أحد أكثر الأماكن ازدحاما في الدولة، أصبح شبه خال تقريبا من مرتاديه، بل إن كثيرين منا اليوم لا يذكر آخر مرة زار فيها مكتب البريد، ومن المؤكد أن ساعي البريد الحكومي سيتحول قريبا إلى مهنة منقرضة لينضم إلى قائمة طويلة من المهن التي انقرضت في العالم بفعل التطور التكنولوجي الذي يحدث من فترة إلى أخرى ويغير نمط حياتنا، وبالتالي طبيعة الطلب الذي نقوم به على السلع والخدمات.
مشكلة الخدمة البريدية أنها خدمة يتطلب القيام بها كثافة في استخدام عنصر العمل، حيث يعمل في جهاز البريد دائما عدد ضخم من العمال، في الوقت الذي لا تتناسب فيه الرسوم التي يحصلها مكتب البريد الحكومي مع تكاليف هذا العدد الضخم من العمال، على سبيل المثال يعمل في بريد الولايات المتحدة أكثر من 570 ألف عامل، ومع ذلك فإن هذا الجيش الضخم ـــ مع الأسف الشديد ـــ يقدم خدمة تنافسية مع الشركات الخاصة التي تتسم بالديناميكية المناسبة التي تتوافق مع احتياجات المستهلك. مع تراجع الطلب على خدمة البريد تنخفض إيراداتها في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف أداء الخدمة؛ ما يحمل الحكومات في أنحاء العالم كافة خسائر كبيرة إذا ما رغبت في الاستمرار في تقديم هذه الخدمة. على سبيل المثال بلغت خسائر النظام البريدي الأمريكي نحو 16 مليار دولار في العام الماضي فقط، بل إنه منذ فترة طويلة والنظام البريدي يحقق خسائر كبيرة؛ لذلك ارتفعت الدعوات منذ 2009 بإيقاف الخدمة البريدية لمدة يوم في الأسبوع لتوفير النفقات، وفي شباط (فبراير) الماضي تقدم مكتب البريد الأمريكي بطلب إلى الكونجرس للسماح بإيقاف خدمات تسليم البريد يوم السبت بحيث يقتصر تقديم الخدمة على خمسة أيام أسبوعيا، حيث قدرت الوفورات الناتجة من إيقاف تسليم الرسائل يوم السبت بنحو 1.7 مليار دولار سنويا. لم يقتصر هذا الاتجاه في تقليص عدد الأيام التي تقدم فيها الخدمات البريدية على الولايات المتحدة، فاليوم تقتصر الخدمة على خمسة أيام في الأسبوع في كندا وأستراليا وأنحاء كثيرة في العالم، بل إنه في نيوزيلاندا أصبح تقديم الخدمة البريدية يقتصر على ثلاثة أيام في الأسبوع فقط بدءا من هذا العام.
حاليا تفكر الولايات المتحدة في تقليص نطاق أعمال خدمات البريد العام وإعادة هيكلة النظام البريدي بإغلاق نصف مراكز البريد مع تراجع الطلب عليها وارتفاع خسائرها، وإعداد خطة لدمج أعمال المكاتب الأخرى. كما تم نقل آلاف من صناديق البريد لتوفير التكاليف.
مع كل هذا التراجع في الخدمة البريدية، من المؤكد أن مكتب البريد ما زال يلعب دورا مهما في المناطق النائية وفي المناطق الريفية، كما أن هناك شريحة من السكان ربما غير مهيأة لاستخدام الوسائل البديلة للبريد العام وما زالت تعتمد عليه بشكل أساسي مثل فئات كبار السن، لكن ما نسبة هذه الفئات إلى عموم السكان في دول العالم؟ وما التكلفة التي تتحملها الدولة لاستمرار هذا الجهاز الضخم من أجل خدمة هؤلاء؟ هذه أسئلة مهمة سيتحدد على الإجابة عنها المدى الزمني الذي سيستمر خلاله البريد العام مفتوحا قبل أن نقول وداعا لمكتب البريد، أو ربما نشير إلى مكان ما في المدينة لنقول ''هنا كان موقع مكتب البريد العام''.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق