الأحد، ديسمبر ٢٠، ٢٠٠٩

هل يتجاوز اليورو الدولار خلال عشر سنوات


نشر في جريدة القبس بتاريخ الجمعة 25 ديسمبر 2009.

في مقال لجيفري فرنكل أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد يتنبأ فرنكل بأن اليورو سوف يحل محل الدولار كعملة احتياط عالمية خلال عشر سنوات من الآن، ومن وجهة نظره فإن اليورو سوف يتجاوز الدولار لأول مرة في عام 2015 من حيث الاستخدام في الاحتياطيات العالمية للبنوك المركزية في العالم. تنبؤ فرنكل مرتبط أيضا بدراسة كان قد قام بها هو و شين منزي في 2008 والتي تنبئا فيها بأن اليورو سوف يحل محل الدولار خلال 15 عاما تقريبا، وقد توصلا إلى هذه النتيجة من خلال تحليل محددات الطلب على الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي، والتي يحتل فيها الدولار المركز الأول. وبناءا على نتائج النموذج القياسي تم وضع عدة سيناريوهات للعلاقة بين الدولار واليورو حتى عام 2040، ولن أدخل في التفاصيل الفنية للنموذج القياسي المستخدم لأنه قائم على العديد من الفروض التي تضعف السيناريو الأساسي الذي استند إليه فرنكل في تنبؤه والمعروض في الشكل التالي.

الشكل رقم (1) سيناريو استخدام الدولار واليورو في الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي




المصدر: Chinn, Menzie and Jeffrey Frankel (2008). "The Euro May Over the Next 15 Years Surpass the Dollar as Leading International Currency."

ويشير فرنكل إلى أن الدولار ظل منذ نهاية الحرب العالمية حتى نهاية القرن الماضي عملية الاحتياط الرئيسية للعالم ولم تستطع عملات قوية كانت موجودة في هذا الوقت منافسة الدولار كعملة احتياط مثل الين الياباني والمارك الألماني في فترات ضعفه. ومن وجهة نظر فرنكل فإن اليورو يختلف عن الين والمارك الألماني حيث لم يشكلا تحديا لدور الدولار بسبب أن الاقتصاد الألماني والياباني كانا صغيرين بالنسبة لحجم الاقتصاد الأمريكي، كما أن أسواق المال في هاتين الدولتين لم تكن بالعمق المقارن بسوق المال الأمريكي، أما بالنسبة لليورو فإن الحجم الاقتصادي للمنطقة الأوروبية كبير وعلى نحو مماثل للاقتصاد الأمريكي، كما أن اليورو قد اثبت أنه مخزنا جيدا للقيمة مقارنة بالدولار الدولار.

ويعول فرنكل في مقاله على الدروس التاريخية المستفادة من العلاقة بين الدولار والإسترليني، حيث أنه على الرغم من تجاوز الاقتصاد الأمريكي للاقتصاد البريطاني من حيث الحجم في عام 1872، وكذلك في حجم الصادرات في عام 1915، وكمقرض صاف في عام 1917، فان الدولار لم يتجاوز الإسترليني إلا عام 1945، أي أن هناك فترات تأخير، يمكن أيضا أن تتكرر في العلاقة بين الدولار واليورو، وفقا لفرنكل. وأعتقد ان استشهاد فرنكل هنا ليس في محله تماما، لأن صعود الدولار كعملة دولية في ذلك الوقت كان لظروف عالمية أملت ان يحتل الدولار مكانة العملة الدولية في ظل عدم قدرة العالم العودة لنظام الذهب، وفي وقت لم يكن هناك عملة احتياط دولية أصلا، في حين كان الدور العالمي للإسترليني قد انتهى بنهاية العشرينيات تقريبا. ولذلك أجمعت الدول المؤتمرة في بريتون وودز على ضرورة العودة لنظام الذهب من خلال الدولار الأمريكي، أي استخدام الدولار الأمريكي في احتياطيات البنوك المركزية للعالم بدلا من الذهب، على أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتحويل هذه الدولارات إلى ذهب من الولايات المتحدة عند حاجة العالم لذلك.

الحجة الثانية التي يرتكز إليها فرنكل هي أن دول العالم في الماضي كانت مستعدة لدفع التكلفة المالية اللازمة للحيلولة دون تفاقم العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي، على سبيل المثال كانت ألمانيا مستعدة لمقابلة النفقات العسكرية الأمريكية في القواعد الألمانية لتخفيض عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في الستينيات، وفي 1991 تحملت السعودية والكويت وعدد من الدول التكاليف المالية للحرب ضد العراق ومن ثم ساعدت على مواجهة العجز الجاري في ميزان المدفوعات في ذلك الوقت. غير أنه للأسف، من وجهة نظر فرنكل، ومنذ 2001 فان أمريكا فقدت جانبا كبيرا من التعاطف الدولي حول شرعية ما تقوم به من عمليات عسكرية خارج حدود الولايات المتحدة، ومن ثم لم تجد من يقدم الدعم لميزانها التجاري في مقابل ما أسمته بحربها على الإرهاب، وهو ما يمهد لتراجع الدور الذي يلعبه الدولار عالميا في ظل العجز المتفاقم لميزان المدفوعات.

كذلك يستشهد فرنكل أيضا بأزمة حرب السويس في 1956 على أنها التي مهدت لزوال الهيمنة البريطانية عندما أعلن الرئيس إيزنهاور بأنه لن يدعم الإسترليني من خلال صندوق النقد الدولي إلا إذا انسحبت بريطانيا من قناة السويس. وهو أيضا استشهاد في غير محله، صحيح أن حرب السويس كانت بداية أفول العهد البريطاني، إلا أنها لم تكن السبب في صعود الدولار، ولا يمكن المقارنة بين وضع الاقتصاد البريطاني المترهل في أثناء حرب السويس ووضع الاقتصاد الأمريكي في أعقاب 2001، فالاقتصاد الأمريكي، على الرغم من ظروف الأزمة التي يمر بها، لم يصل بعد إلى تلك الدرجة من الضعف التي توحي بقرب انهيار عملته ومن ثم استغناء البنوك المركزية للعالم عن تلك العملة، على الرغم من المحاولات الحثيثة التي تقوم بها بعض الدول مثل الصين وروسيا في الاستغناء التدريجي عن الاحتياطيات الدولارية.

من ناحية أخرى فإن آخر البيانات المتاحة عن احتياطيات النقد الأجنبي لدول العالم وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي والمعروضة في الشكل التالي تشير إلى أن تطور الطلب على الدولار كعملة احتياط سار على نحو مماثل للطلب على اليورو على الرغم من أزمة الدولار الأمريكي، وأن الدولار الأمريكي مازال المكون الأول لاحتياطيات للبنوك المركزية في دول العالم من النقد الأجنبي، وأنه على الرغم من ظروف الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي، فإن الدولار لم يشهد ذلك الهبوط الحاد في الطلب عليه مثلما تتوقع دراسة فرنكل ومنزي. الخلاصة هي أنني لا أتفق مع ما ذهب إليه فرنكل من أن تشابه مجريات الأحداث التاريخية ستمهد لزوال الدولار وصعود اليورو، وما زلت أؤمن بقدرة الاقتصاد الأمريكي على التعافي من آثار الأزمة والتخلص من الآثار المالية للكوارث العسكرية التي بدأها بوش، ومعالجة آثار الأزمة المالية العالمية، مثلما فعل قبل ذلك لعقود طويلة من الزمن في الماضي، وأن الدولار ما زال يسيطر على قواعد اللعبة كعملة احتياط عالمية من الدرجة الأولى اليوم وفي المستقبل أيضا.

الشكل رقم (2) مطالب البنوك المركزية بالدولار مقارنة باليورو



المصدر: IMF "Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER)" September 30, 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق