الاثنين، يناير 28، 2013

الجمعيات التعاونية .. دروس للمملكة من تجربة ناجحة

إن الزائر للكويت لا بد وأن يلاحظ هذه الظاهرة التي يتميز بها هذا البلد الجميل وهي انتشار الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، التي تعد أحد أهم المعالم في الكويت، التي هي في شكلها الحالي عبارة عن سوبر ماركت ضخم لا يقل في مستواه عن الفروع الضخمة لسلاسل محال السوبر ماركت الشهيرة في الخارج مثل كارفور وتيسكو وسينزبري.
الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في الكويت هي مؤسسات تهدف أساسا إلى خدمة سكان المنطقة التي تنشأ فيها، ويوجد في الكويت حاليا 56 جمعية تعاونية وأكثر من 350 فرعا لها تنتشر في أنحاء الكويت كافة، ولا توجد منطقة سكنية في الكويت تقريبا إلا وتنشأ فيها الجمعية الاستهلاكية الخاصة بها، وتنشأ الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في إطار قانوني يحدد كيفية إنشائها وشروط العضوية فيها وهيكل إداراتها وسبل الرقابة عليها وكيفية حلها.. إلخ، وذلك بموجب القانون رقم 20 لسنة 1962، ولعل من أهم أسباب نجاح هذه المؤسسات هو نمط ملكيتها وأسلوب إدارتها، فوفقا للقانون لا بد من وجود مساهمين يمتلكون أسهم الجمعية، كما أن عملية إدارتها لا بد أن تتم من خلال مجلس إدارة منتخب من حملة الأسهم، يتم تجديد ثلثهم كل عام، وهكذا فإن هذه المؤسسات تدار بصورة ذاتية من جانب المساهمين.
على أن المساهم يحصل على ما يسمى بنقاط الشراء، كلما اشترى من الجمعية، وفي نهاية السنة يحصل أيضا على توزيعات أرباح، يعتمد ذلك على صافي الربح الذي تحققه الجمعية، وإن كان نشاط الجمعية التعاونية هو في الأساس نشاط اقتصادي غير ربحي، أي لا يهدف أساسا إلى تحقيق الربح بقدر ما يهدف إلى خدمة سكان المنطقة بتوفير احتياجاتها المختلفة بأسعار معقولة.
ولا يقتصر نشاط هذه الجمعيات على العمل التجاري، وإنما تلعب أيضا دورا مهما في الحياة الاجتماعية لسكان المنطقة التي تتواجد فيها، وذلك من خلال تقديم بعض الخدمات وتنظيم بعض الأنشطة التي تخدم مساهميها، حيث تقوم الجمعيات بتخصيص ربع أرباحها السنوية للإنفاق على هذه الأنشطة مثل تنظيم رحلات العمرة وترتيب حجوزات الشاليهات والمنتجعات والفنادق بأسعار مناسبة، وتقديم التذاكر المخفضة للأماكن الترفيهية، وتقديم بعض المساعدات لأنشطة محددة في المدارس، وكذلك مد المستشفيات العامة ببعض ما تحتاج إليه، كما تنظم دورات تدريبية مختلفة مثل دورات تعليم الكمبيوتر، وتنظم بعض الدروس الخصوصية للطلبة، وتكرم الأوائل منهم من أبناء المنطقة، كما تنظم دروس لتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المنطقة بأسعار مخفضة.. إلخ.
وتقديرا من الدولة للدور المهم الذي تلعبه الجمعيات الاستهلاكية في حياة المقيمين فيها، فإنها دائما ما تخصص للجمعية التعاونية الخاصة في المنطقة قطعة أرض مناسبة تؤجر بسعر رمزي سنويا، وهو ما يخفض من تكاليف هذه الجمعيات وإنفاقها على هذا البند المهم، لتقام عليها الجمعية وملحقاتها من أماكن لوقوف السيارات وتسهيلات للخدمات المعاونة للسكان مثل فرع الجملة وفرع السلع التموينية وفرع لوازم العائلة والجزارة والمسمكة والصيدلية ومحال الكي والتنظيف واللوازم النسائية والمكتبة... إلخ. وبهذا الشكل تحولت المناطق التي تنشأ فيها تلك الجمعيات إلى أسواق مركزية تقدم فيها الخدمات المختلفة للسكان، واستنادا إلى ذلك تمنع الحكومة الكويتية في أغلب الأحوال فتح أية محال في المناطق السكنية النموذجية، اكتفاء بالخدمات التي تقدمها الجمعيات التعاونية، ولقد ساعد قرب الأسواق المركزية للجمعيات التعاونية من أماكن إقامة السكان في كل منطقة على ازدهار هذه الجمعيات، حيث يلجأ إليها المقيمون في المنطقة في المقام الأول بسبب رخص أسعارها، فضلا عن توافر معظم ما يحتاج إليه المقيمون في المنطقة تقريبا في السوق المركزية.
مع تزايد أعداد هذه الجمعيات تم إنشاء اتحاد عام لها يسمى اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، الذي أنشئ في عام 1971 ليمارس قدرا من الرقابة على عمل هذه الجمعيات ويقدم بعض الخدمات لها، كما يسعى لحل المشاكل التي قد توجد في أي من الجمعيات الأعضاء وحسم الخلافات التي تنشأ فيما بينها، والأهم من ذلك كله أنه يقوم بعمليات الشراء الجماعي لبعض أنواع السلع فيحصل فيها على خصم مرتفع، نظرا لضخامة الكميات، التي يشتريها، حيث يستطيع اتحاد الجمعيات التعاونية كتكتل أن يمثل قوة تفاوضية كبيرة عند الشراء، حيث يستطيع توفير المواد، التي تحتاج إليها الجمعيات بخصومات شراء كبيرة تنعكس على الأسعار، التي تباع بها السلع للمستهلك النهائي، وهو ما يساعد على توفير السلع للجمعيات بتكلفة أقل عما لو قامت بعمليات شرائها بنفسها، كذلك يثبت الاتحاد ويوحد أسعار 27 ألف سلعة، وهو ما يساعد على تثبيت معدلات التضخم في الكويت.
وتأتي موارد الاتحاد من المساهمات، التي يجمعها من الجمعيات الأعضاء، فضلا عن أرباح بعض السلع التي ينتجها بنفسه، وأخيرا بدأ الاتحاد في إنشاء بعض المشروعات الرائدة مثل إنشاء مخازن جديدة، التي تعتبر أداة مهمة في ضمان تحقيق الأمن الغذائي في الكويت، ولكي تساعد الاتحاد على تدعيم عمليات الاستيراد المباشر من الخارج بدلا من اللجوء إلى الوسطاء.
كذلك وقع اتحاد الجمعيات التعاونية اتفاقا مع الهيئة العامة للبيئة يهدف إلى القضاء على ظاهرة الأكياس البلاستيكية في البلاد واستبدالها بأكياس صديقة للبيئة قابلة للتحلل السريع بدلا من الأكياس الحالية غير القابلة للتحلل، وذلك حفاظا على البيئة من الأضرار التي تخلفها هذه الأكياس، ودعما لدور الجمعيات في تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة للمبادرين من الشباب الكويتي تم توقيع مذكرة تفاهم بين الاتحاد وبرنامج إعادة هيكلة القوى العاملة لمساعدة الشباب في إقامة معارض لهم وتخصيص أكشاك خاصة لمنتجاتهم لتذليل العقبات التي تواجه هؤلاء المبادرين في عمليات التسويق.
كذلك طور اتحاد الجمعيات التعاونية من أعماله، فتم إنشاء مستشفى التعاونيات للقلب في خطوة تعد امتدادات للجهود التي تمارسها هذه المؤسسات في خدمة المقيمين في الدولة، ويعكف الاتحاد حاليا على إنشاء المختبر التعاوني للكشف عن مدى صلاحية السلع التي يقوم بشرائها قبل توزيعها على الجمعيات الأعضاء، كما يدخل اتحاد الجمعيات التعاونية مجال إنتاج الكثير من السلع، التي تحمل شعار التعاون، التي تباع من خلال الجمعيات بأسعار منخفضة.
من ناحية أخرى، فإن الجمعيات التعاونية لا تتردد عن الوقوف في وجه محاولات استغلال المستهلك برفع الأسعار ومقاطعة مصادر التوريد، على سبيل المثال قاطعت الجمعيات التعاونية في أكثر من مرة منتجات شركة سعودية لمنتجات الألبان، وكذلك شركة محلية مشابهة عندما قامتا برفع الأسعار في 2008 و2012 وكذلك منتجات شركات عالمية مثل "نستله"، وشرحت لزبائنها أسباب عدم توافر منتجات هذه الشركات على أرففها، كذلك اشتركت الجمعيات التعاونية في حملة مقاطعة المنتجات الدانماركية عندما عرضت الرسوم المسيئة للرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ في الصحافة الدانماركية، وكانت عنصرا فاعلا في هذه المقاطعة.
كل هذا بالطبع لا يعني أن هذه الجمعيات لا تتعرض للهجوم من وقت إلى آخر، على سبيل المثال تم اتهامها بأنها ترفع الأسعار، وبأنها وراء موجة الغلاء في الكويت، وهذا في رأيي يمثل سوء فهم لطبيعة عمل هذه الجمعيات، ففي الأحوال التي ترتفع فيها الأسعار عالميا، لا بد أن ترتفع الأسعار في كل مكان، ولا يمكن بالطبع أن تتحمل هذه الجمعيات فروق الأسعار، وارتفاع الأسعار له أسباب متعددة معظمها خارجي، حيث تتمثل الغالبية العظمى من السلع المباعة في هذه الجمعيات في سلع مستوردة، لكنها بشكل عام تحرص على محاولة تثبيت الأسعار كلما كان ذلك ممكنا، ففي ظل اقتصاد حر مثل الاقتصاد الكويتي يصعب تماما تثبيت الأسعار، وتدافع الجمعيات عن نفسها ضد هذه الاتهامات بأنها لا تخفي "غرضا في نفس يعقوب"، متعللة بأن أصحاب المصالح التجارية تتعارض مصالحهم مع هذه الجمعيات.
لكن هذا لم يمنع من أن تنشر الصحف من وقت لآخر حدوث بعض الانحرافات أو تسجيل بعض حالات الفساد أو بعض حالات التسعير غير العادل، فأحيانا تنشر مقارنات بين أسعار بعض السلع في الجمعيات وأسعارها في قنوات التوزيع الموازية، التي تثبت ارتفاعها في الجمعيات عن تلك الأسواق الموازية، إلا أن ذلك لا يكون لكل أنواع السلع وإنما لبعضها، كما أن هذه الحوادث لا تمثل الإطار العام لعمل هذه الجمعيات، وهي في النهاية تعمل لخدمة المجتمع، وبشكل عام تمارس هذه الجمعيات دورا مهما في حياة المواطنين إلى الدرجة التي يصعب تصور الحياة في الكويت بدونها.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق