الخميس، أغسطس 20، 2009

السيارات التي تسير بالنفط سوف تذهب إلى متاحف العالم قريبا

نشر في جريدة القبس بتاريخ 22/8/2009
العالم يتحرك بصورة سريعة جدا في اتجاه تبني تكنولوجيا السيارات البديلة، وبصورة خاصة الكهربائية منها، وبشكل مقلق لي شخصيا ولا أدري إن كانت الدول النفطية تشاركني هذا القلق، أم أنها غارقة في نوم العسل وبسرير محاط بـ "ناموسية كحلي" كما يقول المثل المصري. التطورات التي يشهدها العالم حاليا في تكنولوجيا إنتاج السيارات البديلة تنبئ بأن السيارات التي تسير بالبنزين وهو أحد مشتقات النفط سوف تحول إلى متاحف العالم قريبا، تماما مثلما حدث لقطار السكة الحديد الذي كان يسير بالفحم الحجري في أوائل هذا القرن.

فقد أدى تصاعد أسعار النفط الخام والآثار البيئية الجانبية لاستخدام الوقود الإحفوري إلى تشديد سعي العالم نحو إيجاد بديل أكثر أمنا وأقل ضررا على البيئة له. أمس الأربعاء أشار موقع بلومبرج 19/8/2009 إلى أن الحكومة الألمانية وافقت على رصد ميزانية بمبلغ 500 مليون يورو (أو ما يعادل 705 مليون دولار) لتشجيع تكنولوجيا إنتاج السيارات الكهربائية. الخطة التي تبنتها الحكومة الألمانية تأتي في إطار الخطة القومية الألمانية للنقل بالكهرباء، والتي تهدف إلى تسيير مليون سيارة كهربائية على الطرق الألمانية بحلول عام 2020، وخمسة ملايين سيارة بحلول عام 2030. هذه الأرقام تحمل دلالات خطيرة جدا بالنسبة لنا هنا في دول الخليج.

اللافت للنظر أن الخطة الألمانية تم إقرارها بالإجماع في ظاهرة تعد نادرة الحدوث في ألمانيا، أي أن يتفق كافة الأطراف على قرار واحد. الهدف المعلن للخطة هو تخفيض الانبعاثات الغازية الضارة بالبيئة بحوالي 40% بحلول عام 2020، والتي تشمل أيضا زيادة نصيب عمليات إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة من 12% إلى 30%. الهدف غير المعلن من الخطة هو دعم صناعة السيارات الألمانية تجاريا حتى لا تتخلف في مضمار السباق الذي يدور حاليا، وعلى أشده، في مجال السيارات البديلة. وفقا لهذه الخطة ربما نرى أول مرسيدس أو فولكس واجن تسير بالكهرباء في 2011، ومن المؤكد أيضا أننا في الكويت سوف نكون أول مستهلكيها.

تجدر الاشارة إلى أن شركة نيسان اليابانية قد كشفت في هذا الشهر النقاب عن سياراتها الكهربائية الجديدة LFAF هاتشباك في مقرها الجديد في يوكوهاما في اليابان، حيث أشارت الشركة أنها أخذت ذمام المبادرة في تصنيع السيارة الكهربائية، بما في ذلك توفير التسهيلات اللازمة للشحن السريع لمثل هذه السيارة، على نحو يناسب المالك بما في ذلك توفير تلك التسهيلات في المحلات أو المجمعات التجارية، أو في محطات الشحن أو حتى في المكتب الذي يعمل فيه السائق. وحتى الآن لم تعلن نيسان عن سعر السيارة وان كان المسئولون في الشركة يشيرون إلى أن تكلفة السيارة ستكون مقاربة لسعر السيارة العادية التي تعمل بمحرك الاحتراق الداخلي، بالإضافة إلى تكلفة تأجير متواضعة لبطاريتها التي تتكلف حوالي 10 آلاف دولارا. ويتوقع أن تسير السيارة حوالي 100 ميل (160 كيلو متر) في كل عملية شحنة للبطارية، يعتمد ذلك على الطريقة التي تتم بها قيادة السيارة. وتفكر نيسان في إدخال سيارتها السيدان في السنوات الخمس القادمة.

الخبر الذي أوردته بلومبرج أثار لدي ملاحظات كثيرة سأسرد الأهم منها في التالي:

- أولا: أن الميزانية التي رصدتها الحكومة الألمانية موجهة أساسا لدعم شركتي فولكس واجن وديلمر لكي تصبحا رائدتي العالم في مجال إنتاج السيارات البديلة. الخبر يوضح لنا بجلاء كيف تفكر حكومات العالم المتقدم لشركاتها، وتحرص على أن تكون تلك الشركات، حتى ولو كانت مملوكة للقطاع الخاص، الشركات الرائدة عالميا. وهو واجب أساسي لحكومات العالم نحو قطاع الأعمال، سواء العام أو الخاص، فيها.

- ثانيا: أتساءل ماذا لو أن الحكومة في الكويت هي التي أقدمت على تلك الخطوة؟ من المؤكد أنه لو أن الحكومة الكويتية قامت بإجراء مماثل ورصد ميزانية لدعم أحدى الشركات الخاصة في الكويت لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتم فورا استجواب الحكومة كلها بتهمة إهدار المال العام، فمتى ندرك أن لقطاع الأعمال الخاص أهمية في حياتنا وأنه في حاجة إلى دعمنا، وأنه أيضا في حاجة إلى أن نرسي، وبشفافية تامة، عليه كافة الصفقات الحكومية الخاصة بالمشروعات الكبرى مثل المصفاة الرابعة أو الداو، بدون أدنى حساسية أيا كان نوعها، وأننا يجب أن نهيئه ليلعب الدور الأساسي في حياتنا كمنتج وكموظف وكمولد للدخل.

- ثالثا: عندما تقوم الحكومات برصد ميزانيات لدعم شركات خاصة، فان ذلك لا يشكل هدرا للمال العام، كما يتصور البعض، بل على العكس تماما، تتعاظم العوائد المستقبلية على تلك الموارد بصورة مباشرة أو غير مباشرة. على سبيل المثال فإن الميزانية التي رصدتها الحكومة الألمانية لن تذهب هكذا هباءا، فمن المؤكد أنه سوف يكون لها عوائد ضخمة على المستوى الاقتصادي الكلي، تفوق ما تم رصده مئات المرات وفي صور عديدة منها رفع معدلات الابتكار في مجالات السيارات البديلة، وزيادة في معدلات التوظف، ومن ثم في مستويات الدخول سواء من مصادر الأجور أو الأرباح أو حتى الضرائب، ورفع درجة التشابك الاقتصادي بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، فمن المؤكد أن تطوير صناعات السيارات التي تسير بالكهرباء سوف يتبعه زيادة في الطلب على منتجات القطاعات الأخرى التي تدعم عملية الإنتاج في هذه الصناعة، ومن ثم رفع في معدلات الإنتاج والتصدير والرفاهية بشكل عام.

- رابعا: أن الميزانية تمثل رد فعل سريع لحكومة تشعر بمسئوليتها نحو اقتصادها الوطني وتحرص على أن تضعه دائما في أعلى قائمة اقتصاديات العالم، فالحكومة الألمانية وبمجرد استشعارها بحدوث تطور في تقنيات إنتاج السيارات البديلة في العالم، ولأنها تعلم أن ألمانيا من الدول الرائدة في إنتاج السيارات، فإنها لا ترغب في أن ترى صناعة السيارات فيها تتخلف عن باقي دول العالم في هذا المضمار، ذلك أن الحفاظ على القدرات التنافسية للاقتصاديات الوطنية مسئولية أساسية للحكومة في عالم اليوم.

- خامسا: وهو الأهم والأخطر، من وجهة نظري، من الواضح أن العالم يستعد حاليا لأن يقول لنا قريبا "وداعا دول الخليج"، وشكرا على الدور الذي مارستموه في حياتنا بتوفير النفط لنا، لتبدأ من بعدها حقبة زمنية مختلفة تماما بالنسبة لنا، يبدأ عندها اللون الذي كان العالم يحرص على أن يضعه لتلك البقعة من العالم على خريطته في أن يبهت بمرور الوقت. ما هي معالم تلك الفترة؟، ببساطة شديدة، معالم مرعبة ليس هناك مجال الآن للحديث عنها.

- سادسا: للمرة المليون يا ناس يا عالم يا هوه يا خلق الله متى نفيق من ثباتنا العميق؟ وندرك أن البقاء في هذا العالم لعبة جادة وخطيرة وتتطلب منا كل الجهد لكي نطور من قدراتنا ونعزز من إمكانياتنا وننوع من مصادر الدخل لدينا، ونقلل من اعتمادنا على النفط، حتى لا نظل تحت رحمة مطرقته التي تدقنا بعنف.
مصدر الخبر على بلومبرج: http://bloomberg.com/apps/news?pid=20601130&sid=aS4K_k3_GY0w

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق